مكانـة السنـة في الشريعة الإسلاميـة للأخ علي الحذيفي العدني
وقد طلب فضيلة الوالد الشيخ العلامة
محمد بن عبدالوهاب الوصابي
حفظه الله
أن أنشره للفائده
التفريغ
مكانـة السنـة في الشريعة الإسلاميـة
المقدمة:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فمكانة “السنة” في الإسلام كبيرة، ومنزلتها في التشريع عظيمة، اتفقت الأمة على قبولها والتسليم لها، والإيمان بمعانيها، والعمل بأحكامها، وأنها القسم الثاني من التشريع، وأن الاستغناء عنها كالاستغناء عن القرآن تماماً، فإسلام بدون سنة، كإسلام بدون قرآن ولا فرق.
وإن مما ابتلينا به في الآونة الأخيرة ما يكتبه بعض من لا يحسن الكتابة من “الصحفيين” من تشكيك الناس في “السنة”، وبدلاً من أن يستفيدوا من هذه الوسائل الإعلامية لدعوة الناس إلى الله، وتحذيرهم من الشركيات التي بُليت بها كثير من بلاد المسلمين، وتعليمهم أمور دينهم، وإصلاح ما فسد من أحوال المسلمين وأخلاقهم، بدلاً من ذلك قاموا يزيدون الطين بلـة، والمرض علـة، فأصبحت “الصحافة” عبئاً ثقيلاً، وهماً كبيراً على عاتق الدعوة إلى الله، بدلاً من أن تكون أداةً لإصلاح المجتمعات، فرأيت من الواجب بيان ما في خطورة هذا الموضوع، والعواقب الوخيمة المترتبة عليه، فكتبت رسالة مختصرة يسهل على عامة الناس أن يتناولوها، لأنهم المقصودون من هذا التحذير، وأسميتها “مكانة السنة” وهي تتكون من “تمهيد” وخمسة فصول مختصره:
والتمهيد يتكون من عدة نقاط:
1- حقد أعداء الإسلام.
2- لجوؤهم إلى الكيد الباطن.
3- الطعونات في السنة من الكيد الباطن.
4- الطعن في السنة من دلائل النبوة.
ثم الفصل الأول: أهمية السنة، ويتكون من عدة مباحث:
الأول: تعريف السنة.
الثاني: مكانة السنة في التشريع الإسلامي.
الثالث: أدلة حجية السنة.
ثم الفصل الثاني: أحوال السنة مع القرآن، ويتكون من مبحثين:
الأول: السنة مبينة للقرآن.
الثاني: السنة قد تستقل ببعض الأحكام.
ثم الفصل الثالث: المشككون في حجية السنة، ويتكون من عدة مباحث:
الأول: من هم هؤلاء ؟
الثاني: ما هو غرضهم ومقصدهم ؟
الثالث: درجاتهم.
ثم الفصل الرابع: حكم من ينكر السنة، ويتكون من مبحثين:
الأول: خطورة هذا الفكر وأهله.
الثاني: حكمه في الشريعة.
ثم الفصل الخامس: من شبه القوم، ويتكون من عدة مباحث:
الأول: الطعن في الصحابة.
الثاني: قولهم إن الأحاديث رويت بالمعنى.
الثالث: تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد.
ثم الفصل السادس: التعامل الصحيح مع الأحاديث، ويتكون من:
أولاً: تدقيق النظر في سنده.
ثانياً: النظر في معاني الحديث على طريقة أهل العلم.
ثالثاً: التسليم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله أن ينفع به القارئ والكاتب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
علي الحذيفي / عدن شوال /1429هـ
1- حقد أعداء الإسلام:
لقد وجد الإسلام وأهله عنـتاً شديداً من الكفار على مدى الأزمان، من مختلف الأصناف، من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الوثنيين، منذ أن ظهر الإسلام إلى أيامنا، دفعهم إلى ذلك الحقدُ الدفين على الإسلام وأهله، بسبب ما خص الله بها المؤمنين، من النور المبين، والدين القويم، والهـداية التامة.
قال تعالى إذ يقول: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) وقال سبحانه: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) وقال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين0 وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم0) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين) وقال تعالى:(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون) وقال تعالى: (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) وقال تعالى: ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدة) وقال تعالى: (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً)، وقال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم).
وستبقى هذه العداوة قائمةً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن أظهروا محبة السلام، وحب الخير للناس جميعاً، فهم يحاولون في كل مرة أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ولكن هيهات فالدين دين الله، وهو الذي تولى حفظه.
وكان اتجاههم في البداية إلى الحروب والقتال ليستأصلوا الإسلام ويبيدوا أهله، فكادوا للإسلام وأهله بأنواع المكائد، ونصبوا له العداوة، وقاموا بتشويهه، والتنفير عنه بشتى الوسائل، واجتمعوا كلهم على رميه عن قوس واحدة.
ثم جاء الوقت الذي أيقن فيه الكفار أن الحروب مع المسلمين لا تزيد الإسلام إلا صلابةً وانتشاراً، ولا تزيد المسلمين إلا قوةً وشدةً وتضحيةً، فلجأوا إلى أساليب أخرى ماكرة، حاولوا فيها زعزعة المسلمين عن دينهم، وتفكيكهم وتفريقهم، وتأخيرهم، وإغرائهم بالشهوات، وقذف الشبه في نفوسهم بأنواع كثيرة، وأساليب مذهلة، لا يتفطن لها الكثير من المسلمين وذلك بسبب شدة دهاء هؤلاء الأعداء، وغموض خططهم، وغفلة كثير من المسلمين.
وهم ينوعون مكرهم بصور كثيرة، ويمكن إجمال هذه الصور إلى المكر بالمسلمين عقدياً، واقتصادياً، وسياسياً، و عسكرياً، واجتماعياً، وأخلاقياً.
ومن هذه الطرق – بل أسوأها – الحرب العقدية، والتي تحمل تشكيك المسلمين بدينهم مصدر عزتهم وقوتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، ليبقى المسلم ضعيفاً، شاكاً في دينه، متخبطاً في حياته، عرضة لأي فتنة.
ويُلاحظ أن هؤلاء دخلوا في هذه الحروب العقدية على المسلمين بقوة، ووصلت بهم الوقاحة إلى أن يناقشوا الأمور الثابتة والمسلّمة عند المسلمين، وأين؟! على الملأ في “مواقع الإنترنت” وفي “القنوات الفضائية” !! وفي “الصُحُف” ، لتوضع “ثوابت الدين” على مائدة النقاش، وتكون عرضةً للجدل، والأخذ والرد، وليعطي كل شخص رأيه ويشارك ولو بمداخلة يسيرة !! أو برأي هزيل !! فإن لله وإنا إليه راجعون.
وهذه الحروب العقدية الباطنةِ كثيرة تفوق الحصر، منها التنصير، ومنها الدعوة إلى تحرير المرأة، ومنها فتح باب الشهوات على الأمة المتمثلة بما يعرض في مواقع “الإنترنت” و”القنوات الفضائية”، وغير ذلك من الأهواء.
ومن هذه الطرق التشكيكُ في “السنة النبوية” وهذا هو موضوعنا في هذه الرسالة، فإن أعداء الإسلام قد أثاروا حولها كثيراً من الشبه ليصرفوا المسلمين عنها.
يقول أحد دعاة التنصير الأمريكيين واسمه (جب): (إن الإسلام مبني على الأحاديث أكثر مما هو مبني على القرآن الكريم، ولكننا إذا حذفنا الأحاديث لم يبق من الإسلام شيء).
فهذه الكلمة من هذا النصراني تصور لك مدى دراستهم لجوانب الإسلام ونواحيه لينظروا هل فيه مواضع يدخلون منها على المسلمين !! دفعهم إلى ذلك دافع الحقد.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن قوماً، سيأتون من بعده يردون أحاديثه.
فعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه [أي: يضيفوه] فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه).
رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح ، وصححه الألباني.
وهذا من الدلائل الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن شيء لم يقع بعد فدل على أنه نبي يوحى إليه، وفيه كذلك تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته من هذا الصنف، وأن لا يغتروا بطريقتهم ، وصورة الحديث صورة الخبر لكنه يتضمن النهي.
المبحث الأول: تعريف السنة:
في هذا المبحث نتعرض لمعنى السنة التي نتكلم عنها، فإذا عرف المسلم ما هو المقصود من السنة التي يريدون هدمها، عرف خطورة الموضوع، وعِظَم المصيـبة.
فالسنة من حيث اللغة: هي الطريقة، ومن ذلك قول الشاعر:
من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها.
وتأتي في الاصطلاح على عدة معانٍ:
الأول: طريقة الرسول وأصحابه: فتأتي على نقيض معنى البدعة، وهذا هو المراد غالباً من كلمة “السنة” في كتب العقيدة، ككتاب “أصول السنة” لأحمد بن حنبل، و”السنة” لعبد الله بن أحمد، و”شرح السنة” للبربهاري، ونحو ذلك ، ومنه قولهم “أهل السنة”.
الثاني: تأتي على نقيض الواجب:
أي: بمعنى المستحب والنافلة، وهذا هو المراد غالباً عند الفقهاء.
الثالث: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، أو فعله، أو إقراره، أو مما هم بـفعله كما ذكر الحافظ في “الفتح”(13/245)، وهذا هو المراد غالباً عند المحدثين والأصوليين، ونحن نتحدث عن إنكار هذا النوع، ولا شك أن هذا أشد خطراً، وأعظم ضرراً، لأن فيه إنكار السنة كلها جملةً وتفصيلاً، وفيه طرح ثروة عظيمة من أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته، بل فيه هدم للإسلام كله ، وتضليل للقرون الثلاثة فمن بعدهم.
تقوم الشريعة الإسلامية على عدة أصول:
الأول: القرآن الكريم: وهو كلام الله حقيقةً المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بحروفه ومعانيه، والمعجز بألفاظه المنقول عنه بالتواتر.
الثاني: السنة النبوية: وهي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه من قوله، أو فعله، أو إقراره، أو مما هم بفعله.
الثالث: الإجماع: وهو اتفاق علماء الأمة على حكم شرعي.
الرابع: القياس: وهو إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة بينهما.
ومن هنا نعلم ما للسنة النبوية مِن علوّ المنزلة، وعظيم المكانة، إذ هي الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي، ولقد عرف سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم مكانتها وعظيم شأنها حق المعرفة، فرحلوا من أجلها، وحفظوها، واستنبطوا منها الأحكام الكثيرة في جميع أمور دينهم ودنياهم، وعظموها أيما تعظيم، فنصبوا الولاء لأهلها، والعداء لأعدائها، ووقفوا عند حدودها، وصدقوا بأخبارها، وآمنوا بمعانيها، واستدلوا بها، وتلقوا منها، وردوا النزاع إليها، ثم نقلوها إلى الأجيال صافيةً نقيةً، كما وردوا عليها، سارت على ذلك أجيال وقوافل كثيرة لا يحصيهم إلا الله.
ثم جاء جيل تدوين السنة وكتابتها في دواوين الإسلام، فأعطوا السنة ما تستحقه من التعظيم والإجلال، والحفظ والصيانة، واعتنوا بها عناية فاقت كل عناية، فألفوا الدواوين كالصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد والأجزاء، واعتنوا بالحديث سنداً ومتناً، أما عنايتهم بالأسانيد فتظهر من تأليفهم كتب الرجال، وكتب العلل، وكتب المراسيل، وأما عنايتهم بالمتون فتظهر من تأليفهم شروح الحديث، وأسباب وروده، وغريبه، وناسخه ومنسوخه، وبيان مشكله، والجمع بين متعارضه.
وهكذا تناقلت الأجيال هذا الإرث النبوي العظيم، معتبرين أن السنة عظيمة لا يستغني عنها المسلمون.
الأدلة على حجية السنة كثيرة وهي الكتاب والسنة والإجماع القطعي، و”السنة” في هذا المقام عند هؤلاء المنكرين مشهود لها وليست شاهدة، ولكن هي عندنا شاهدة:
أولاً: من الكتاب العزيز: فقد دل كتاب الله على اعتبار “السنة” حجةً يجب الرجوع إليها ، لأنها مبينة للقرآن، ومخصصة لعمومه، ومقيدة لمطلقه، بل وتستقل بأشياء كثيرة ليست في القرآن، وأنها مرجع المسلمين في التحاكم عند النزاع كالقرآن تماماً، وأن من خالفها فهو على خطر عظيم، وأن الرسول قدوة للأمة في أقواله وأفعاله وأخلاقه وعبادته وسلوكه.
1- فمن ذلك قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، وهذه الآية صريحة في أن القرآن مجمل، فلابد له إذاً من تبيين، والمبين له هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فرسول الله يبين لنا معاني القرآن بأقواله وأفعاله وتقريره، وإذا كانت السنة مبينة للقرآن وكان القرآن محفوظاً لقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له الحافظون)كانت السنة محفوظة كذلك، لأن حفظ السنة من حفظ القران.
2-وقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً).
روى ابن عبد البر في “جامع بيان العلم وفضله” عن ميمون بن مهران أنه قال في قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) قال: (الرد إلى الله الرد إلى كتاب الله، والرد إلى رسوله إذا كان حياً، فلما قبضه الله فالرد إلى سنته).
3- وقوله تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه).
4- وقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم).
5- وقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
قال الطاهر ابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” (27/87): (وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل فيندرج فيها جميع أدلة السنة) أ.هـ
وانظر كيف فهم الصحابة دلالة القرآن على السنة، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هو في كتاب الله فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه).
الحديث متفق عليه، واللفظ للبخاري.
6- وقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فأخبرنا الله أن للرسول قضاءً يقضي به، كما أن الله له قضاء يقضي به، ومن الإيمان التسليم لهذين القضائين.
7- وقول الله تعالى:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
8- وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).
9- وقوله تعال:(واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، وقوله تعالى:(ويعلمهم الكتاب والحكمة).
قال العلامة ابن القيم في كتابه “الروح”:(والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم ، وقد قال النبي إني أوتيت الكتاب ومثله معه) أ.هـ
ثانياً: السـنة: وعندنا في هذا المقام عدة أدلة نكتفي بذكر بعضها:
الحديث الأول: وهو حديث المقدام بن معدي كرب وقد رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقدتقدم ذكره (ص5).
الحديث الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني).
رواه الشيخان عن أنس، ورواه مسلم عن أبي هريرة.
الحديث الثالث: عنأبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه).
رواه أحمد وأبو داود والترمذي – وحسنه – وابن ماجه، وسنده صحيح، وقد صححه الألباني في “صحيح ابن ماجه”برقم (13).
ثالثاً: الإجماع القطعي للأمة: فقد أجمع المسلمون على أن “السنة” هي الأصل الثاني من أصول التشريع، بل هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، وقد نقل الإجماع جماعة من أهل العلم منهم الآجري في “الشريعة”، وابن حزم في “أصول الأحكام”، وشيخ الإسلام، وابن القيم في “الروح” وابن بدران في “المدخل” وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في “مجموع الفتاوى”(19/85):(وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوباتباعها، وقد يكون من سنته ما يظن أنه مخالف لظاهر القرآن وزيادة عليه كالسنة المفسرة لنصاب السرقة، والموجبة لرجم الزاني المحصن فهذه السنة أيضا مما يجب اتباعه عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر طوائف المسلمين إلا من نازع في ذلك من الخوارج المارقين) أ.هـ
وسيأتي كلام غيره إن شاء الله.
السنة مع القرآن لها عدة أحوال أشار إلى ذلك الشافعي في “الرسالة” وابن القيم في “إعلام الموقعين” وغيرهما، ولكن سنكتفي بما قاله ابن عبد البر لأن كلامه مختصر يناسب المقام.
قال ابن عبد البر في “جامع بيان العلم”: (والبيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين:
[الأول] بيان المجمل في الكتاب،كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة وحدها ووقتها، وما الذي يؤخذ منه من الأموال وبيانه لمناسك الحج، قال صلى الله عليه وسلم إذ حج بالناس: (خذوا عني مناسككم) لأن القرآن إنما ورد بجملة فرض الصلاة والزكاة والحج والجهاد دون تفصيل ذلك) أ.هـ
أقول:
بمعنى أن اللهيأمر بالصلاة بقوله: (وأقيموا الصلاة) ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم فيبين صفة الصلاة وهيئتها، وعددها في اليوم والليلة، وعدد ركعاتها في كل صلاة، وشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومندوباتها، ومبطلاتها، ومواقيتها، ونحو ذلك، ثم يقول: “صلوا كما رأيتموني أصلي” رواه البخاري، ولم يقل صلوا كما أمر الله، فدل على أن المرجع في تبيين القرآن هو السنة.
وأمر سبحانه بالحج فقال: (ولله على الناس حج البيت من استطاع سبيلاً)، فجاءتالسنة مبينة صفة الحج، وأركانه، وواجباته، ومفسداته، وماذا يجب في كل شيء من تلك المفسدات، لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم ) رواه مسلم في “صحيحه” ولم يقل حجوا كما أمر الله.
هكذا في الزكاة، والصيام، وغير ذلك من العبادات.
ومن ذلك أن الله يقول في القرآن العظيم: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فجاءت السنة فبينت أن الظلم هنا هو الشرك كما في الحديث المعروف، ولولاه لدخلت كل مراتب الظلم في الآية، ومن ذلك ظلم الإنسان لنفسه كما فهم الصحابة رضي الله عنهم، وهذا لا يقدر عليه الإنسان، فلاشك أنه سيظلم نفسه أو غيره.
وقال الإمام الشافعي في “جماع العلم”: (ومثل هذا أن الله عز وجل فرض الصلاة والزكاة والحج في كتابه وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم معنى ما أراد الله تعالى من عدد الصلاة ومواقيتها وعدد ركوعها وسجودها وسنن الحج وما يعمل المرء منه ويجتنب وأي المال تؤخذ منه الزكاة وكم ووقت ما تؤخذ منه.
وقال الله عز و جل (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقال عز ذكره (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فلو صرنا إلى ظاهر القرآن قطعنا من لزمه اسم سرقة وضربنا كل من لزمه اسم زنى مائة جلدة، ولما قطع النبي في ربع دينار ولم يقطع في أقل منه ورجم الحرين الثيبين ولم يجلدهما استدللنا على أن الله عز و جل إنما أراد بالقطع والجلد بعض السراق دون بعض وبعض الزناة دون بعض.
ومثل هذا المسح على الخفين، قال الله تعالى عز و جل (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فلما مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين استدللنا على أن فرض الله عز و جل غسل القدمين إنما هو على بعض المتوضئين دون بعض ، وأن المسح لمن أدخل رجليه في الخفين بكمال الطهارة استدلالا بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه لا يمسح والفرض عليه غسل القدم كما لا يدرأ القطع عن بعض السراق وجلد المائة عن بعض الزناة والفرض عليه أن يجلد ويقطع ) أ.هـ
ثم قال ابن عبد البر: (و[الثاني]بيان آخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، إلى أشياء يطول ذكرها قد لخصتها في موضع غير هذا) أ.هـ
أقول: وهذا كثير جداً، فالسنة قد استقلت ببيان أشياء كثيرة، منها: بيان مراتب الدين وهي الإسلام والإيمان والإحسان، والذين يقولون: “إن ذلك كله في القرآن” يغالطون أنفسهم، لأن القرآن ذكرها مفرقة، وبدون بيان لحقائق هذه المعاني كما جاء في “حديث جبريل”.
ومن ذلك أشراط الساعة الكبرى والصغرى، كأحاديث المهدي، وخروج الدجال، ونزول عيسى، وغير ذلك، ومنها شعيرة الختان التي تعد من أكبر الفوارق العملية بين المسلمين والنصارى، وأما استدلال من استدل بقوله تعالى: (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) فاستدلاله ضعيف، لأن الآية تأمر باتباع ملة إبراهيم، ولكن إثبات أن الختان من ملة إبراهيم يحتاج إلى نص آخر صريح، ومنها تحريم أصناف من الأطعمة لم ينص عليها القرآن ،كتحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ومنها صلاة العيدين، والكسوفين، والاستسقاء، والاستخارة، وغير ذلك من الصلوات، ومنها المسح على الخفين، وحد الخمر، ومنها النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها في وقت واحد، ومنها أحاديث فضائل الصحابة بالأعيان، وأما ما في القرآن من الفضائل فهو بالجملة لا بالأعيان، ويلزم هؤلاء المنكرين للسنة التسوية بين الصحابة في الفضل والمرتبة وهذا خلاف معتقد أهل السنة، ومن ذلك فضائل بعض البقاع المعظمة، وبيان ما فيها من مضاعفة الأجور، وفضائل بعض البلدان كالشام واليمن ونحوهما، ومن ذلك النهي عن البدع، والزيادة في الدين، وبيان عاقبة من يبتدع، ومن ذلك أحاديث فضائل هذه الأمة، وخصائصها، وافتراقها، وتخصيص الطائفة المنصورة منها بالبقاء على الحق، والنجاة من العذاب، ومن ذلك أنواع الكفر، وأقسامه، ومراتبه، وهل وقع الخوارج فيما وقعوا فيه إلا من بعد إعراضهم عن السنة ؟
وأشياء كثيرة لا يمكن حصرها وعدها، وبالجملة فالذي يهدم السنة يهدم الإسلام كله.
المبحث الأول: من هم هؤلاء ؟
والطاعنون في “السنة” قديماً هم الخوارج ، والمعتزلة، والروافض، ومن جرى مجراهم من أهل البدع والأهواء والضلال، وهم يطعنون في “السنة” في الوقت الذي يقف الأعداء وقفة إعجاب من محمد صلى الله عليه وسلم، كيف اعتنى أصحابه بأقواله وأفعاله عنايةً عظيمةً، فجمعوا سننه وأحاديثه، وسيرته، وشمائله، ثم كيف نقلوها لغيرهم، بما لم يحصل هذا لنبي قبله.
وفي هذه الأزمنة المتأخرة تخرج نابتة سوء لتحمل حملاً عنيفاً على “السنة”، وتقوم بإثارة الشبه حول هذا الأصل العظيم من الشريعة، وهم أنواع مختلفة:
النوع الأول: طائفة تسمي نفسها بـ “القرآنيين” ، أي: ترى القرآن المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية، وهي تطرح السنة جملةً وتفصيلاً، وبعض هؤلاء قد يكون أستاذاً في كلية، أو مديراً على ثانوية، أو تاجراً ذا أموال غير ذلك، وكان شيخنا مقبل يقول: “ينبغي أن يسموا أهل الهوى ولا يسمون بالقرآنيين، لأن القرآن لا يعارض السنة بل يدل عليها “.
النوع الثاني: طائفة أخرى يُعرفون بـ “العقلانيين” أو “المدرسة العقلانية” يزنون السنة بعقولهم المريضة، ويشككون الناس فيها بناءً على موازين لا قيمة لها في الشريعة، فهم في الحقيقة أفراخ للمعتزلة القدامى وقد رضعوا هذا الفكر من كتبهم، والعجيب أن أعداء الإسلام أرادوا ضرب القرآن بسلاح هؤلاء العقلانيين وهو العقل، فأثاروا شبهاً حول القرآن كما أثار هؤلاء شبهاً حول السنة.
النوع الثالث: مجموعة أخرى هم من “الكتّاب” و”الصحفيين”، وبعض هؤلاء الصحفيين تأثروا بأفكار الغرب وطريقتهم، فأعجبوا بحضارة الغرب وفتنوا بها، فظنوا أن سبب ترقي الغربيين في التكنولوجيا هو انسلاخهم من الدين وتنكرهم له، وأن سبب تأخر المسلمين هو تمسكهم بدينهم، فثقل عليهم ما يرونه في مجتمعات المسلمين من تمسك بشرائع الإسلام وأحكامه، فقاموا يشككون المسلمين في دينهم، ليتخلصوا من أحكامه.
وآخرون من الصحفيين يكتب عن تأثر بكتب الرافضة، أو المعتزلة، أو غيرهم، فقد سمعت شخصاً يتطاول على “صحيح البخاري” بشيء من شبه الشيعة!!.
وقد يكون في هذه الأصناف من يحمل شهادةً في علم من العلوم، ولكن هذا لا يقدم شيئاً بل هذا حجة عليه يوم القيامة، لأن أهل العلم هم أخوف الناس من الله، وأكثر الناس تعظيماً لشرع الله، وأسرعهم امتثالاً لأوامره، واجتناباً لنواهيه، فعلى المسلم أن لا يغتر بهؤلاء وأن يحذر من طرق الردى والانحراف.
دعاة الشر لا يصارحون الناس بدايةً بأهدافهم ، وإنما يتدرجون شيئاً فشيئاً مظهرين للناس أنهم ناصحون حتى يصلوا إلى بغيتهم، لعلمهم أنهم لو صارحوا الناس بما يريدون لردهم الناس، فذهبوا يأتون بكلام يغتر به الجهال وضعفاء العلم، مقتدين في ذلك بإبليس الذي أظهر النصح لأبينا آدم حيث قال الله عنه: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين)، فأظهر أنه ناصح، وأكد كلامه بهذا اليمين لينطلي كذبه.
ومن وسائل الأعداء في ذلك الغمز في “السنة النبوية”، فيثيرون حولها الشبه والتهم ليسهل عليهم بعد ذلك الطعن والتنفير عن القرآن !! بل قد صرح كثير منهم بذلك.
قال طه حسين الموصوف بـ“عميد الأدب العربي” !! في “الشعر الجاهلي“: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة) أ.هـ
أي: قد يكون في القرآن قصص خيالية وأكاذيب ومبالغات!! تعالى الله عن هذا علواً كبيراً، فأين قول الله: (لقد في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يفترى) ؟.
فهدفهم إذاً هو الإسلام ليس غيرُ، وأما ما يثيرونه من الكلام على بعض الأحكام، ونقد بعض الأحاديث فهذه مقدمات، وسيأتي بعدها ما هو أشد منها، نسأل الله أن يحفظ دينه، وأن يعلي كلمته.
هؤلاء القوم على أقسام:
القسم الأول: يرفض السنة جملةً وتفصيلاً: وهؤلاء يدعون إلى الاكتفاء بالقرآن وحده، وأنه هو المصدر الوحيد للتشريع، وطرح السنة جملةً وتفصيلاً، وهذا كفر كما سيأتي.
القسم الثاني: يرد بعضها دون بعض، أو يستخدم أسلوب التشكيك: فهو يقبل السنة بالجملة مع التحفظ على بعض الأحاديث كأن يتحفظ على الأحاديث الدالة على الأحكام المستقلة، أو أحاديث أخرى أشكلت عليه، وهذا وإن لم يردّ السنة كلها، لكن الطريق الذي يسير عليه طريق يفضي إلى هدم الأحاديث كلها، ويجعلها كلها عرضة للطعن فيها، فهو يناقش فيها لا عن علم ومعرفة بطرق أهل العلم في تعليل الأحاديث وتضعيفها، وإنما اعتماداً على العقل زاعماً أنها تعارض العقل أو العلم الحديث، وهذا ضلال وانحراف، وصاحبه على خطر عظيم، إلا إن كان رده للحديث مع اعترافه بصحته فهذا كفر.
قال إسحاق بن راهويه: (من رد حديثاً صحيحاً عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كفر).
وقال ابن دقيق العيد في “شرح الإلمام” معلّقاً على من يرد حديث الذباب بقوله:
(إن هذا وأمثاله مما تُرد به الأحاديث الصحيحة إن أراد به قائلها إبطالها بعد اعتقاد كون الرسول صلى الله عليه وسلم قالها كان كافراً مجاهراً) أ.هـ
المبحث الأول: خطورة هذا الفكر وأهله:
تعرف خطورة أي فكر بالنظر إلى عاقبته وما يؤول إليه، فهذا الفكر حقيقته في الأخير رد الشريعة كلها، وهدم الإسلام كله، والانسلاخ من الدين جملةً وتفصيلاً، لأن السنة تفسر القرآن فإذا هدمت السنة أصبح القرآن عرضة لأي تفسير ولو تفسير باطني أو ما جرى مجراه، ولاسيما و”أن القرآن حمّال ذو وجوه” كما قال ابن عباس رضي الله عنه أي: يحتمل لعدة أوجه ومعاني، وإذا كان سلفنا يشنعون على من اعترض برأيه على حديث واحد دون أن ينكره، فكيف بمن ينكر السنة كلها، وماذا عسى أن يقولوا فيه ؟!
فأعداء السنة يريدون أن يصلوا إلى شيء عجز عنه الكفار من هدم الدين وتقويض أركانه، والفصل بين المسلمين ودينهم، فحري بكل مسلم أن يتفطن لهذا الكيد العظيم، وأن يحذر من هذه المقالات المنحرفة التي تنشر في “الصحف” أو في غيرها.
إنكار السنة جملةً وتفصيلاً كفر، وإليك بعض من نص على هذا:
1- الآجري: حيث قال في “الشريعة”:(وكذلك جميع فرائض الله ، التي فرضها الله في كتابه، لا يُعلم الحكم فيها إلا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى) أ.هـ
2- ابن حزم: حيث قال في “الإحكام في أصول الأحكام”:
(ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك.
وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم وبالله تعالى التوفيق) أ.هـ
3- ابن القيم: حيث قالفي كتابه “الروح”: (والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم، وقد قال النبي إني أوتيت الكتاب ومثله معه) أ.هـ
4- السيوطي حيث قال في رسالته “مفاتيح الجنة”: (إن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجةً كفر ، وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) أ.هـ
وقد أخذ السيوطي الأدلة التي ذكرها الشافعي رحمه الله في “الرسالة” في الاحتجاج بالسنة، وزاد عليها بعض الأدلة فأوردها في رسالة خاصة هي “مفاتيح الجنة “.
5- ابن بدران حيث قال في “المدخل”: (وكل من له إلمام بالعلم يعلم أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام) أ.هـ
6- العلامة المعلمي في “الأنوار الكاشفة”: (منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً تقام عليه الحجة، فإن أصرّ بان كفره.
ومنكر وجوب العمل ببعض الأحاديث إن كان له عذر من الأعذار المعروفة بين أهل العلم وما في معناها فمعذور، وإلا فهو عاص لله ورسوله، والعاصي آثم فاسق، وقد يتفق ما يجعله في معنى منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً).
7- الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في “مجموع رسائل ومقالات”:
(إن ما تفوّه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفر وردة عن الإسلام، لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتا، ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافر بالإجماع، ولا يجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير من فتنته وبيان كفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة في الصحف السيارة) أ.هـ
8- شيخنا مقبل بن هادي الوادعي:
فقد سمعته أكثر من مرة يكفر من ينكر السنة جملة وتفصيلاً، وذلك في الدروس وفي مجالس خاصة.
لهم في التشكيك في “السنة النبوية” صور عديدة، وشبه كثيرة نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر، ونجعل لكل شبهة مبحثاً خاصاً.
كثيراً ما يطعن هؤلاء في الصحابة كما فعل “أبو رية” و”حسن الترابي” وغيرهما، ويدخل في ذلك ما تفعله بعض “الصحف”، فيشككون في “عدالة الصحابة” بطرق كثيرة، لأنهم حملة السنة والحديث فإذا طعن فيهم سَهُل بعد ذلك الطعن في السنة والحديث بل وفي القرآن، وإذا طعن في الحامل سَهُل الطعن في المحمول.
روى الخطيب في “الكفاية” واللالكائي في “أصول الاعتقاد” عن أبي زرعة الرازي قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) أ.هـ
وعدالة الصحابة شيء متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، لا يخالف في ذلك أحد، وإجماع أهل السنة حجة، فقد قال شيخ الإسلام في “منهاج السنة” (5/166): (فلهذا لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله[أي:النبي صلى الله عليه وسلم]في كلمة واحدة والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع فإنما يخالف رسول الله صلى الله عليه و سلم ، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفا للسنة الثابتة) أ.هـ
ولقد سار الأئمة من أهل القرون المفضلة على القول بعدالة الصحابة، خلافاً للخوارج والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم من أهل البدع والأهواء.
وأصحاب رسول الله لهم من المحاسن والفضائل من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونصرة دينه، وتأييده، والقيام بحفظه ونشره بعد موته صلى الله عليه وسلم، ما كان سبباً لأن يرضى الله عنهم، ويغفر ذنوبهم، ويجعلهم من أهل الجنة، ويجعلهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فليس لهم في الزمن الماضي ولن يكون في الزمن القادم مثيل، فهم أفضل جيل عرفه التاريخ، فلا يضرهم ما حصل فيما بينهم من القتال، فكلهم مجتهد مأجور، يدور كل واحد منهم بين الأجر والأجرين، وقد رضي الله عنهم مع علمه بما سيحصل بينهم.
قال ابن بطة في “الشرح والإبانة” (ص62): (ومن بعد ذلك نكفّ عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق، لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم) أ.هـ
وإن قدرنا أن هذا من ذنوبهم فلهذه الذنوب من المحاسن ما يكفرها في الدنيا ويغفرها، وإن قدرنا أن ذنوبهم لم تغفر في الدنيا فإنهم داخلون في شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فهم أولى الناس بها ، والله يغفر الذنوب بالتوبة، والمحاسن العظيمة الماحية، والمصائب المكفرة، والشفاعة المقبولة وغير ذلك من الأسباب التي دلت عليها النصوص خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون: “لا تغفر الذنوب إلا بالتوبة منها في الدنيا” !!.
وعلى كل حال فليس لأحد حجة عند الله في طعنه وكلامه في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم.
قال شيخ الإسلام في “الواسطية” : (ويقولون[أي:أهل السنة] إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلى ببلاء في الدنيا كُفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور لهم ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الايمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى) أ.هـ
وتارة يشككون في السنة بأنها رويت بالمعنى، وهذا لعمرو الله ليس بشيء، لأن أهل الحديث اشترطوا للرواية بالمعنى شروطاً كفيلة في وصول الحديث إلينا سليماً، كأن يكون الراوي عالماً بالمعاني التي يحيل إليها، ثم إن روى هذا الراوي بما يخالف المعنى، تعرض لنقد علماء الحديث الذين يشترطون في الحديث سلامة الألفاظ من الشذوذ والعلل، على أن الذين أجازوا الرواية بالمعنى هم بعض المحدثين وليسوا جميعاً وهم الجمهور كما أشار إلى ذلك العراقي في “الألفية”، ثم إن كثيراً من الرواة يروي من “كتابه” لا من “حفظه”.
وعلى العموم فقواعد المحدثين جعلها الله سبباً لحفظ الحديث بما لم يسبق إليه، حتى قال بعضهم: (يحق للمسلمين أن يفخروا بعلم الحديث).
ومن العجيب أن هؤلاء يثبتون كتباً إلى أصحابها قد مر عليها آلاف السنين، وتناقلتها آلاف الأيادي المجهولة، ككتب أرسطو وغيره من الفلاسفة، ويردون الأحاديث التي تكفل الله بحفظها، وتناقلها خيار الأمة بعناية عظيمة جيلاً بعد جيل !!.
إعلم أن تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد بحيث يقبل المتواتر مطلقاً، ولا يقبل من الآحاد إلا ما كان في باب “الأحكام” دون “العقيدة” إعلم أن هذا تقسيم باطل، وإنما سار عليه أهل السنة في كتب “المصطلح” لأنه من حيث الواقع صحيح، فالأحاديث باعتبار وصولها إلينا قسمان: قسم متواتر: أي رواه جمع عن جمع في أول السند وأثناءه وآخره، تحيل العادة تواطؤ هذا الجمع على الكذب، ويكون مستندهم الحس. وقسم آحاد: أي ما لم يكن كذلك.
لكن هذا التقسيم عند المعتزلة له مقصد سيء، وهدف خبيث، وهو رد أحاديث “العقيدة”، وكلام المعتزلة مردود وباطل لعدة أوجه:
أولاً:لم يكن هذا التفصيل موجوداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عرفه الصحابة ولا التابعون ولا أتباعهم، وإنما ابتدعه المعتزلة من عند أنفسهم تحكماً في الدين بأهوائهم.
ثانياً: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل رسله إلى الملوك والقبائل آحاداً لتبليغ أصول الدين، والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من الوحي، وما يتبع ذلك من أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق دون التفريق بين خبر وخبر، وهم لم يطلبوا منه ذلك، لعلمهم أن الحجة قد قامت بهذا، فمن آمن به فهو من الناجين، ومن كفر به فهو من الهالكين.
قال الشافعي في “الرسالة” (ص415): (ولم يكن رسول الله ليبعث إلا واحداً الحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه إن شاء الله) أ.هـ
واستمر أصحابه من بعده كذلك فهو إجماع عملي ينقض قول المعتزلة، وقد نقل الإجماع غير واحد.
ثالثاً: إن هذا التفصيل المذكور هو من أخطر أبواب “العقيدة” فيحتاج إلى أدلة متواترة ومتكاثرة لتقريره وتقعيده، فهذا التفصيل يستدل له قبل أن يستدل به وهذا ما لا يملكه المعتزلة.
رابعاً: قد ردت المعتزلة أحاديث كثيرة في باب “العقيدة” مع كونها متواترة !! كأحاديث “عذاب القبر” و “الرؤية” و “أحاديث الشفاعة” و ” الحوض” و “الميزان” و غير ذلك.
وعلى العموم فكل ماصح عن رسول الله فهو حق كما قال الطحاوي في “عقيدته”.
وقال ابن عبد البر في “جامع بيان فضل العلم”: (ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صح عن رسول صلى الله عليه وسلم أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه) أ.هـ
ونحيل القارئ إلى كتاب “أخبار الآحاد” من “صحيح البخاري” فقد ساق البخاري رحمه الله جملة من الأحاديث في نقض هذا القول، وبالله التوفيق.
هناك من لا يسيء إلى السنة بإنكارها وردها، ولكن يسيء إليها من جهة أخرى من حيث التعجل في تضعيف الأحاديث وتعليلها، فها نحن نبين التعامل الصحيح مع الأحاديث الواردة، ونختصر هذا التعامل إلى ثلاثة أمور:
إن كان للحديث سند فينظر في هذا السند ويحكم عليه بما يستحقه بعد النظر والتدقيق في عدالة الرواة وضبطهم في “كتب التراجم”، والنظر في اتصال الأسانيد في “كتب المراسيل” و “التراجم” أيضاً، والنظر في انتفاء الشذوذ والعلة عن الحديث في كتب “العلل” أو “التراجم” فقد يذكرون الحديث في ترجمة الراوي على أنه مما أنكر عليه، فالحكم على الحديث يحتاج إلى جهد ليس بالهين، وربما مر على الباحث اليوم واليومان والثلاثة وأكثر دون الوصول إلى نتيجة.
وننبه إلى أن هناك أحاديث بإمكان المسلم أن يعمل بـها وهو مطمئن – بعد معرفة معانيها -كأحاديث “الصحيحين”، فهذه الأحاديث لا حاجة للنظر في أسانيدها لأن أصحابها قد اشترطوا الصحة في الأحاديث، ومثل ذلك ما يشترط فيه المؤلف الصحة ويعرف عنه التحري، ككتاب “السلسلة الصحيحة” للعلامة الألباني، وكتاب شيخنا “الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين” رحمهما الله، وما جرى مجراهما من الكتب التي يتحرى فيها أصحابها الصحيح، إلا إذا كان باحثاً يحب أن يتأكد ويبحث بنفسه فله ذلك.
وننبه على أنه ينبغي التورع في تصحيح الأحاديث وتعليلها وما يترتب على ذلك من مسائل، ولاسيما بعد الذي عرفناه من منزلة الحديث في الشريعة الإسلامية، فينبغي على الطالب المبتدئ أن لا يخوض في هذا الباب حتى يتعلم نظرياً مدة من الزمن على يد أهل العلم المتخصصين في هذا الفن، ثم يتمرس عملياً مدة ليست قليلة في هذا الفن، فإذا رأى أن أكثر أحكامه على الأحاديث توافق أحكام أهل العلم علم بعد ذلك أنه قد ثبتت قدمه على الطريق.
وإنما دفعني إلى ذلك ما نراه من تسرع بعض المبتدئين في التصحيح والتضعيف مع ضعفهم في التعليل والترجيح، وعلى هذا فعلم الحديث يحتاج إلى ممارسة طويلة وتطبيق عملي، ليتمكن طالب علم الحديث بعد مرور زمن طويل من أن يكتسب ملكة يكون بها ماهراً في هذا الفن.
قال الخطيب البغدادي في “”الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع” (ص415):
(قل ما يتمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويستنير الخفي من فوائده، إلا من جمع بين متفرقه، وألف مشتته، وضم بعضه إلى بعض، وانشغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه، فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس، ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البيان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس، ويكسب أيضاً جميل الذكر، وتخليده إلى آخر الدهر) أ.هـ
ولأهل العلم كلام كثير في هذا الموضوع كالنووي والذهبي والسيوطي وغيرهم، ومن هؤلاء الألباني أمير المؤمنين في الحديث في هذا العصر ولاسيما وقد عانى هو من هذا الصنف المشار إليه، فيقول رحمه الله في “دفاع عن الحديث النبوي والسيرة”: (وختاماً فإني أنصح الدكتور أن لا يكتب إلا في علم أتقنه وتمرس فيه مدة من الزمن، وأن يكون رائده في ذلك النصح للمسلمين ، والإخلاص لرب العالمين) ثم ساق كلمة للنووي أ.هـ المراد.
وعلم الحديث من الخطأ أن نظن أنه علم تسير جميع فروعه على قواعد مطردة لا تتغير دائماً كالمقاييس الرياضية !! فهذا خطأ كما كان يقول الشيخ الألباني رحمه الله، وإنما قواعده وأصوله أغلبية ويرجع الباحث في كثير من أحكامه إلى اطمئنان النفس وما توحي إليه ملكته وخبرته في هذا الفن، بل في كثير من مسائل علم الحديث يصرح المحققون من أهل العلم أنه ليس لها قاعدة معينة، وإنما يرجع في كل جزئية منها إلى الملابسات والقرائن، ثم يكون الحكم على الحديث معتمداً على هذه الحالة الخاصة ، مثل مسألة (زيادة الثقة)، و(الشواهد والمتابعات)، و(مباحث التدليس) و (تعارض الجرح والتعديل في الراوي) ونحو ذلك.
ويمكن للطالب أن يمارس تطبيقاً عملياً لعلم الحديث وذلك بأن يقوم الطالب بتحقيق كتاب، أو تخريج أحاديث متفرقة تمر به في دروسه أو تدريسه ويجعلها في دفاتر خاصة، ليتقوى في التخريج والحكم على الحديث، وسيستفيد فائدتين كبيرتين:
الأولى: أنه يصل إلى حكم الحديث بنفسه ويأخذ من حيث أخذ القوم، مع الحرص على عدم الاستقلالية في بداية الطلب.
والثانية: اكتساب الملكة، وحصول التمرس.
ولا يكون غرضه من هذه البحوث هو تأليف كتاب يخرجه للناس بقدر ما يكون غرضه الاستفادة والتمكن ولاسيما في بداية الطلب، ولا يهمل عرض ما كتبه على المتخصصين، وهذا هو المقصود من كلام الخطيب والنووي وغيرهما في هذا الباب، والواجب على المتخصصين أن يراجعوا الكتاب جيداً، فإذا خرج الكتاب اغتر الناس بهذا التقديم والتزكية وإن كان الكتاب في نفسه ضعيفاً.
فإن صح سنده فإن كان معناه واضحاً فلا إشكال، وإلا فينبغي النظر في أقوال أهل العلم المختصين بذلك ولاسيما المتقدمين، فينظر في شروحهم للحديث وتوجيههم له، وكيف حملوه، ولا ينبغي التعجل في رد الأحاديث لمجرد أنها أشكلت علينا، وقد سئل شخص عن حديث: “ولد الزنا شر الثلاثة” فضعّفه لأن ظاهر الحديث أشكل عليه، والحديث صحيح وقد صححه الألباني في “الصحيحة” (672)، وأهل العلم يحملونه على ما إذا سار ولد الزنا على طريقة أبويه، وقد جاء ذلك صريحاً في “مسند أحمد” عن عائشة وفيه: (إذا عمل بعمل أبويه)، وقيل: قاله النبي صلى الله عليه وسلم في رجل بعينه لا في كل ابن زنا، وينظر “الصحيحة”.
بل سئل هذا الرجل نفسه عن حديث: “اهتز عرش الرحمن لموت سعد” فضعّفه !! والحديث في الصحيحين وهو متواتر، قال الذهبي في “العلو للعلي الغفار”: (فهذا متواتر أشهد بأن رسول الله قاله) أ.هـ
مع العلم أننا نعني بالمشكل ما كان في غير الأسماء الصفات وما جرى مجراها، لأن معاني الأسماء والصفات من المحكم لا المتشابه، وبالله التوفيق.
فإذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن منسوخاً قدم على كل قول، فلا يعارض برأي، ولا قياس، ولا بمذهب، ولا بقول شيخ، ولا بقول الآباء والأجداد، ولا بالعادات والتقاليد، ولا بالكشف، ولا بالذوق، ولا بالمنام، ولا بما عليه الناس اليوم، ولا بغير ذلك، فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم حكم على غيره وليس غيره حكماً عليه، ويقدم على غيره ولا يقدم غيره عليه.
وللسلف في هذا الباب عبارات عجيبة في شدة تمسكهم بالحديث إذا صح، والتغليظ على من عارضه بشيء من الهوى والرأي.
ولكن ينبغي أن يعرف قبل ذلك كله “فقه الحديث” وأن يفهم الفهم الصحيح، وأن يعرف حدود الخلاف في معاني هذا الحديث أو غيره، فمن ترك الحديث لمرجح آخر فلا يتنزل عليه ما ذكرناه من شدة السلف ولاسيما إذا لم يعرف عنه تتبع الرخص، مثل اختلافهم في أحاديث “الوضوء من مس الفرج” و ” الوضوء من أكل لحم الإبل ” و “قراءة الفاتحة في الصلاة” وغير ذلك، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فقد اختلف الشيخ الألباني مع الشيخ ابن باز في أحاديث الأمر بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: هل يدخل فيها ما بعد الركوع أو لا يدخل ؟ على قولين معروفين، واختلفوا في حديث صيام يوم السبت، صحةً وضعفاً، وعلى الأول هل يفيد التحريم مطلقاً أو إذا انفرد، على أقوال معروفة، ولم يصر أحد من هؤلاء إلى شيء من التغليظ على المخالفين له، ولم ينزل عليه كلام السلف، فعرف من ذلك أن شدة السلف تنزل في حالة المعارضة للحديث بالهوى والرأي المجرد عن العلم.
إلى هنا ينتهي ما أردنا من “التنبيهات المختصرة”، هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عدن/شوال /1429
كتبه: علي الحذيفي.

The problem is, this is in Arabic. Despite their claims of being able to explain the Qur’aan, the reality is that most of the Qur’an Alone people have no grasp of the language.
And you know something akh? These people still act as if they are interpreting the deen in Arabic, but look at them how they EXPLAIN it in English. They always try to weasel their way in playing around with the words of Allaah and the meaning of the Qur’aan. They accuse us of it although they still fail to note that we don’t use the same methodology as them. We turn to the understanding of the Prophet salallaahu alaihi wa salam, they use their own fahm while thinking it’s the Qur’aan explaining itself even though they CHOOSE which verse to explain another without any wahy guiding them in that. Most of them don’t really know Arabic, they understand the Qur’aan only from the direction of the English language. That’s why they strive so hard in trying to find explanations for the verses and the words in English rather than how the Arabic language clearly says it. It’s to the point where they reject the Arabic books of the language like Leesaanul ‘Arab or Qaamoos al Muheet.