•December 9, 2009 • Leave a Comment

The Correct Creed – Shaykh Abdus Salaam bin Barjiss

Expected Release: End of January, 2010. Insha Allaah

Blog has moved to http://blog.athaar.org

•August 18, 2009 • Leave a Comment

Dear Readers,

I’ve been given authorship ability at http://blog.athaar.org so I’ve decided to move all my writings to blog.athaar.org

Check the Athaar Blog for new posts from myself and other authors.

Also check out the site: http://www.athaar.org

And the Forum: http://forum.athaar.org

BarakAllaahu feekum

Death of Shame & Rise of Foolery

•June 30, 2009 • 1 Comment

Today I came across a post by a brother who was expressing his thoughts on the passing of the pop star Michael Jackson. As I began to read the post I picked up a tone of sarcasm. When I arrived at the end I became confused as to whether the person was being sarcastic or serious. What led me to think that the brother is serious about his comments was a music video of Michael Jackson’s which he posted. What troubled me about this were the comments from people who apparently did not pick up on any sarcasm.

I heard that Michael Jackson passed away when I woke up in the morning and began to talk to a brother who said, “What is wrong with the Muslims?” This post is merely about that… “What is wrong with the Muslims?”

The first issue that I noticed about the statements of the brother in his post was him talking about the “hypocrisy” of Muslim leaders who mentioned how they enjoyed his music. The brother linked to an article by a popular Muslim speaker in the West who spoke about his past and Music, hardly a reason to accuse him of hypocrisy.

Many of our brothers and sisters were commenting saying the Music is not Haraam and never was dispraised. I already posted about the Shar’ee position of Music here:

http://abulhaarith.wordpress.com/2008/08/19/the-ruling-of-music-in-islaam/

The fact that there are singers who are Muslim does not establish the legitimacy of Music in the Sharee’ah. Some people start by saying, “Music is a hotly debated issue in Islaam” however this was not always the case. Music only became controversial in the recent era. The overwhelming majority of the Ulemaa since the death of the Prophet –peace be upon him- agreed on the prohibition of Music. Only a handful of scholars disagreed, amongst them was Imaam Ibn Hazm al-Andalusi. Yet this did not prevent many of the Salaf such as al-Aajurree and Ibn Rajab and others from reporting Ijmaa’ on tahreem of Music.

But this post is not about Music and its prohibition. It’s about the situation of the Muslims with regards to a pop star.

Why is it that we cry and scream about the Muslims being humiliated? Why is it that we ask “why is this happening to us?”? Why are many of us so baffled when we wonder how the Enemies of Islaam tower over us? Why not just look at how many general Muslims reacted to the death of a singer?

Whether Michael Jackson was a Muslim or not doesn’t matter. It makes no difference, the reason people loved him was not because of his religion, it was because of his Music. There are reports of Saudi brothers moon walking in their thobes. There are reports of Muslim girls screaming and crying in expressing their love of this man. Allaahul Must’aan. How does that not strike you when you start to think of the situation of the Muslims? The death of the Ulemaa, the inheritors of the Prophets, does not raise as much as the death of a pop star? O people of Islaam! What is wrong with you??

What good does it do for you to waste time on such a trivial matter and for our sisters to go out screaming and crying at the death of a musician? SubhaanAllaah. What a shame upon the Ummah that when the Ulemaa fall ill or pass away most do not care, but when a musician dies they go crazy screaming and crying and dancing like idiots on TV in front of the whole world. Then when the Kuffaar back slap the Muslims, they wonder why they are being humiliated.

مكانـة السنـة في الشريعة الإسلاميـة للأخ علي الحذيفي العدني

•June 23, 2009 • 2 Comments
{ مكانـة السنـة في الشريعة الإسلاميـة }
وقد طلب فضيلة الوالد الشيخ العلامة
محمد بن عبدالوهاب الوصابي
حفظه الله
أن أنشره للفائده

التفريغ
مكانـة السنـة في الشريعة الإسلاميـة
المقدمة:

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فمكانة “السنة” في الإسلام كبيرة، ومنزلتها في التشريع عظيمة، اتفقت الأمة على قبولها والتسليم لها، والإيمان بمعانيها، والعمل بأحكامها، وأنها القسم الثاني من التشريع، وأن الاستغناء عنها كالاستغناء عن القرآن تماماً، فإسلام بدون سنة، كإسلام بدون قرآن ولا فرق.
وإن مما ابتلينا به في الآونة الأخيرة ما يكتبه بعض من لا يحسن الكتابة من “الصحفيين” من تشكيك الناس في “السنة”، وبدلاً من أن يستفيدوا من هذه الوسائل الإعلامية لدعوة الناس إلى الله، وتحذيرهم من الشركيات التي بُليت بها كثير من بلاد المسلمين، وتعليمهم أمور دينهم، وإصلاح ما فسد من أحوال المسلمين وأخلاقهم، بدلاً من ذلك قاموا يزيدون الطين بلـة، والمرض علـة، فأصبحت “الصحافة” عبئاً ثقيلاً، وهماً كبيراً على عاتق الدعوة إلى الله، بدلاً من أن تكون أداةً لإصلاح المجتمعات، فرأيت من الواجب بيان ما في خطورة هذا الموضوع، والعواقب الوخيمة المترتبة عليه، فكتبت رسالة مختصرة يسهل على عامة الناس أن يتناولوها، لأنهم المقصودون من هذا التحذير، وأسميتها “مكانة السنة” وهي تتكون من “تمهيد” وخمسة فصول مختصره:
والتمهيد يتكون من عدة نقاط:
1- حقد أعداء الإسلام.
2- لجوؤهم إلى الكيد الباطن.
3- الطعونات في السنة من الكيد الباطن.
4- الطعن في السنة من دلائل النبوة.
ثم الفصل الأول: أهمية السنة، ويتكون من عدة مباحث:
الأول: تعريف السنة.
الثاني: مكانة السنة في التشريع الإسلامي.
الثالث: أدلة حجية السنة.
ثم الفصل الثاني: أحوال السنة مع القرآن، ويتكون من مبحثين:
الأول: السنة مبينة للقرآن.
الثاني: السنة قد تستقل ببعض الأحكام.
ثم الفصل الثالث: المشككون في حجية السنة، ويتكون من عدة مباحث:
الأول: من هم هؤلاء ؟
الثاني: ما هو غرضهم ومقصدهم ؟
الثالث: درجاتهم.
ثم الفصل الرابع: حكم من ينكر السنة، ويتكون من مبحثين:
الأول: خطورة هذا الفكر وأهله.
الثاني: حكمه في الشريعة.
ثم الفصل الخامس: من شبه القوم، ويتكون من عدة مباحث:
الأول: الطعن في الصحابة.
الثاني: قولهم إن الأحاديث رويت بالمعنى.
الثالث: تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد.
ثم الفصل السادس: التعامل الصحيح مع الأحاديث، ويتكون من:
أولاً: تدقيق النظر في سنده.
ثانياً: النظر في معاني الحديث على طريقة أهل العلم.
ثالثاً: التسليم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله أن ينفع به القارئ والكاتب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
علي الحذيفي / عدن شوال /1429هـ

تـمـهيــــد:
1- حقد أعداء الإسلام:

لقد وجد الإسلام وأهله عنـتاً شديداً من الكفار على مدى الأزمان، من مختلف الأصناف، من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الوثنيين، منذ أن ظهر الإسلام إلى أيامنا، دفعهم إلى ذلك الحقدُ الدفين على الإسلام وأهله، بسبب ما خص الله بها المؤمنين، من النور المبين، والدين القويم، والهـداية التامة.
قال تعالى إذ يقول: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) وقال سبحانه: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) وقال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين0 وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم0) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين) وقال تعالى:(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون) وقال تعالى: (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) وقال تعالى: ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدة) وقال تعالى: (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً)، وقال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم).
وستبقى هذه العداوة قائمةً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن أظهروا محبة السلام، وحب الخير للناس جميعاً، فهم يحاولون في كل مرة أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ولكن هيهات فالدين دين الله، وهو الذي تولى حفظه.
وكان اتجاههم في البداية إلى الحروب والقتال ليستأصلوا الإسلام ويبيدوا أهله، فكادوا للإسلام وأهله بأنواع المكائد، ونصبوا له العداوة، وقاموا بتشويهه، والتنفير عنه بشتى الوسائل، واجتمعوا كلهم على رميه عن قوس واحدة.

2- لجوؤهم إلى الكيد الباطن :

ثم جاء الوقت الذي أيقن فيه الكفار أن الحروب مع المسلمين لا تزيد الإسلام إلا صلابةً وانتشاراً، ولا تزيد المسلمين إلا قوةً وشدةً وتضحيةً، فلجأوا إلى أساليب أخرى ماكرة، حاولوا فيها زعزعة المسلمين عن دينهم، وتفكيكهم وتفريقهم، وتأخيرهم، وإغرائهم بالشهوات، وقذف الشبه في نفوسهم بأنواع كثيرة، وأساليب مذهلة، لا يتفطن لها الكثير من المسلمين وذلك بسبب شدة دهاء هؤلاء الأعداء، وغموض خططهم، وغفلة كثير من المسلمين.
وهم ينوعون مكرهم بصور كثيرة، ويمكن إجمال هذه الصور إلى المكر بالمسلمين عقدياً، واقتصادياً، وسياسياً، و عسكرياً، واجتماعياً، وأخلاقياً.
ومن هذه الطرق – بل أسوأها – الحرب العقدية، والتي تحمل تشكيك المسلمين بدينهم مصدر عزتهم وقوتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، ليبقى المسلم ضعيفاً، شاكاً في دينه، متخبطاً في حياته، عرضة لأي فتنة.
ويُلاحظ أن هؤلاء دخلوا في هذه الحروب العقدية على المسلمين بقوة، ووصلت بهم الوقاحة إلى أن يناقشوا الأمور الثابتة والمسلّمة عند المسلمين، وأين؟! على الملأ في “مواقع الإنترنت” وفي “القنوات الفضائية” !! وفي “الصُحُف” ، لتوضع “ثوابت الدين” على مائدة النقاش، وتكون عرضةً للجدل، والأخذ والرد، وليعطي كل شخص رأيه ويشارك ولو بمداخلة يسيرة !! أو برأي هزيل !! فإن لله وإنا إليه راجعون.

3- الطعونات في السنة من الكيد الباطن:

وهذه الحروب العقدية الباطنةِ كثيرة تفوق الحصر، منها التنصير، ومنها الدعوة إلى تحرير المرأة، ومنها فتح باب الشهوات على الأمة المتمثلة بما يعرض في مواقع “الإنترنت” و”القنوات الفضائية”، وغير ذلك من الأهواء.
ومن هذه الطرق التشكيكُ في “السنة النبوية” وهذا هو موضوعنا في هذه الرسالة، فإن أعداء الإسلام قد أثاروا حولها كثيراً من الشبه ليصرفوا المسلمين عنها.
يقول أحد دعاة التنصير الأمريكيين واسمه (جب): (إن الإسلام مبني على الأحاديث أكثر مما هو مبني على القرآن الكريم، ولكننا إذا حذفنا الأحاديث لم يبق من الإسلام شيء).
فهذه الكلمة من هذا النصراني تصور لك مدى دراستهم لجوانب الإسلام ونواحيه لينظروا هل فيه مواضع يدخلون منها على المسلمين !! دفعهم إلى ذلك دافع الحقد.

4- الطعن في السنة من دلائل النبوة:

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن قوماً، سيأتون من بعده يردون أحاديثه.
فعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه [أي: يضيفوه] فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه).
رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح ، وصححه الألباني.
وهذا من الدلائل الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن شيء لم يقع بعد فدل على أنه نبي يوحى إليه، وفيه كذلك تحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته من هذا الصنف، وأن لا يغتروا بطريقتهم ، وصورة الحديث صورة الخبر لكنه يتضمن النهي.

الفصل الأول: أهمية السنة:
المبحث الأول: تعريف السنة:

في هذا المبحث نتعرض لمعنى السنة التي نتكلم عنها، فإذا عرف المسلم ما هو المقصود من السنة التي يريدون هدمها، عرف خطورة الموضوع، وعِظَم المصيـبة.
فالسنة من حيث اللغة: هي الطريقة، ومن ذلك قول الشاعر:
من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها.
وتأتي في الاصطلاح على عدة معانٍ:
الأول: طريقة الرسول وأصحابه: فتأتي على نقيض معنى البدعة، وهذا هو المراد غالباً من كلمة “السنة” في كتب العقيدة، ككتاب “أصول السنة” لأحمد بن حنبل، و”السنة” لعبد الله بن أحمد، و”شرح السنة” للبربهاري، ونحو ذلك ، ومنه قولهم “أهل السنة”.
الثاني: تأتي على نقيض الواجب:
أي: بمعنى المستحب والنافلة، وهذا هو المراد غالباً عند الفقهاء.
الثالث: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، أو فعله، أو إقراره، أو مما هم بـفعله كما ذكر الحافظ في “الفتح”(13/245)، وهذا هو المراد غالباً عند المحدثين والأصوليين، ونحن نتحدث عن إنكار هذا النوع، ولا شك أن هذا أشد خطراً، وأعظم ضرراً، لأن فيه إنكار السنة كلها جملةً وتفصيلاً، وفيه طرح ثروة عظيمة من أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته، بل فيه هدم للإسلام كله ، وتضليل للقرون الثلاثة فمن بعدهم.

المبحث الثاني: مكانة السنة في الشريعة الإسلامية:

تقوم الشريعة الإسلامية على عدة أصول:
الأول: القرآن الكريم: وهو كلام الله حقيقةً المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بحروفه ومعانيه، والمعجز بألفاظه المنقول عنه بالتواتر.
الثاني: السنة النبوية: وهي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه من قوله، أو فعله، أو إقراره، أو مما هم بفعله.
الثالث: الإجماع: وهو اتفاق علماء الأمة على حكم شرعي.
الرابع: القياس: وهو إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة بينهما.
ومن هنا نعلم ما للسنة النبوية مِن علوّ المنزلة، وعظيم المكانة، إذ هي الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي، ولقد عرف سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم مكانتها وعظيم شأنها حق المعرفة، فرحلوا من أجلها، وحفظوها، واستنبطوا منها الأحكام الكثيرة في جميع أمور دينهم ودنياهم، وعظموها أيما تعظيم، فنصبوا الولاء لأهلها، والعداء لأعدائها، ووقفوا عند حدودها، وصدقوا بأخبارها، وآمنوا بمعانيها، واستدلوا بها، وتلقوا منها، وردوا النزاع إليها، ثم نقلوها إلى الأجيال صافيةً نقيةً، كما وردوا عليها، سارت على ذلك أجيال وقوافل كثيرة لا يحصيهم إلا الله.
ثم جاء جيل تدوين السنة وكتابتها في دواوين الإسلام، فأعطوا السنة ما تستحقه من التعظيم والإجلال، والحفظ والصيانة، واعتنوا بها عناية فاقت كل عناية، فألفوا الدواوين كالصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد والأجزاء، واعتنوا بالحديث سنداً ومتناً، أما عنايتهم بالأسانيد فتظهر من تأليفهم كتب الرجال، وكتب العلل، وكتب المراسيل، وأما عنايتهم بالمتون فتظهر من تأليفهم شروح الحديث، وأسباب وروده، وغريبه، وناسخه ومنسوخه، وبيان مشكله، والجمع بين متعارضه.
وهكذا تناقلت الأجيال هذا الإرث النبوي العظيم، معتبرين أن السنة عظيمة لا يستغني عنها المسلمون.

المبحث الثالث: أدلة حجية السنة:

الأدلة على حجية السنة كثيرة وهي الكتاب والسنة والإجماع القطعي، و”السنة” في هذا المقام عند هؤلاء المنكرين مشهود لها وليست شاهدة، ولكن هي عندنا شاهدة:
أولاً: من الكتاب العزيز: فقد دل كتاب الله على اعتبار “السنة” حجةً يجب الرجوع إليها ، لأنها مبينة للقرآن، ومخصصة لعمومه، ومقيدة لمطلقه، بل وتستقل بأشياء كثيرة ليست في القرآن، وأنها مرجع المسلمين في التحاكم عند النزاع كالقرآن تماماً، وأن من خالفها فهو على خطر عظيم، وأن الرسول قدوة للأمة في أقواله وأفعاله وأخلاقه وعبادته وسلوكه.
1- فمن ذلك قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، وهذه الآية صريحة في أن القرآن مجمل، فلابد له إذاً من تبيين، والمبين له هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فرسول الله يبين لنا معاني القرآن بأقواله وأفعاله وتقريره، وإذا كانت السنة مبينة للقرآن وكان القرآن محفوظاً لقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له الحافظون)كانت السنة محفوظة كذلك، لأن حفظ السنة من حفظ القران.
2-وقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً).
روى ابن عبد البر في “جامع بيان العلم وفضلهعن ميمون بن مهران أنه قال في قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) قال: (الرد إلى الله الرد إلى كتاب الله، والرد إلى رسوله إذا كان حياً، فلما قبضه الله فالرد إلى سنته).
3- وقوله تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه).
4- وقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم).
5- وقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
قال الطاهر ابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” (27/87): (وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل فيندرج فيها جميع أدلة السنة) أ.هـ
وانظر كيف فهم الصحابة دلالة القرآن على السنة، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هو في كتاب الله فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه).
الحديث متفق عليه، واللفظ للبخاري.
6- وقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فأخبرنا الله أن للرسول قضاءً يقضي به، كما أن الله له قضاء يقضي به، ومن الإيمان التسليم لهذين القضائين.
7- وقول الله تعالى:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
8- وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).
9- وقوله تعال:(واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، وقوله تعالى:(ويعلمهم الكتاب والحكمة).
قال العلامة ابن القيم في كتابه “الروح”:(والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم ، وقد قال النبي إني أوتيت الكتاب ومثله معه) أ.هـ
ثانياً: السـنة: وعندنا في هذا المقام عدة أدلة نكتفي بذكر بعضها:
الحديث الأول: وهو حديث المقدام بن معدي كرب وقد رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقدتقدم ذكره (ص5).
الحديث الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني).
رواه الشيخان عن أنس، ورواه مسلم عن أبي هريرة.
الحديث الثالث:
عنأبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه).
رواه أحمد وأبو داود والترمذي – وحسنه – وابن ماجه، وسنده صحيح، وقد صححه الألباني في “صحيح ابن ماجه”برقم (13).
ثالثاً: الإجماع القطعي للأمة: فقد أجمع المسلمون على أن “السنة” هي الأصل الثاني من أصول التشريع، بل هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، وقد نقل الإجماع جماعة من أهل العلم منهم الآجري في “الشريعة”، وابن حزم في “أصول الأحكام”، وشيخ الإسلام، وابن القيم في “الروح” وابن بدران في “المدخل” وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في “مجموع الفتاوى”(19/85):(وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوباتباعها، وقد يكون من سنته ما يظن أنه مخالف لظاهر القرآن وزيادة عليه كالسنة المفسرة لنصاب السرقة، والموجبة لرجم الزاني المحصن فهذه السنة أيضا مما يجب اتباعه عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر طوائف المسلمين إلا من نازع في ذلك من الخوارج المارقين) أ.هـ
وسيأتي كلام غيره إن شاء الله.

الفصل الثاني: أحوال السنة مع القرآن:

السنة مع القرآن لها عدة أحوال أشار إلى ذلك الشافعي في “الرسالة” وابن القيم في “إعلام الموقعين” وغيرهما، ولكن سنكتفي بما قاله ابن عبد البر لأن كلامه مختصر يناسب المقام.

المبحث الأول: السنة مبينة للقرآن:

قال ابن عبد البر في “جامع بيان العلم”: (والبيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين:
[الأول] بيان المجمل في الكتاب،كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة وحدها ووقتها، وما الذي يؤخذ منه من الأموال وبيانه لمناسك الحج، قال صلى الله عليه وسلم إذ حج بالناس: (خذوا عني مناسككم) لأن القرآن إنما ورد بجملة فرض الصلاة والزكاة والحج والجهاد دون تفصيل ذلك) أ.هـ
أقول:
بمعنى أن اللهيأمر بالصلاة بقوله: (وأقيموا الصلاة) ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم فيبين صفة الصلاة وهيئتها، وعددها في اليوم والليلة، وعدد ركعاتها في كل صلاة، وشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومندوباتها، ومبطلاتها، ومواقيتها، ونحو ذلك، ثم يقول: “صلوا كما رأيتموني أصلي” رواه البخاري، ولم يقل صلوا كما أمر الله، فدل على أن المرجع في تبيين القرآن هو السنة.
وأمر سبحانه بالحج فقال: (ولله على الناس حج البيت من استطاع سبيلاً)، فجاءتالسنة مبينة صفة الحج، وأركانه، وواجباته، ومفسداته، وماذا يجب في كل شيء من تلك المفسدات، لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم ) رواه مسلم في “صحيحه” ولم يقل حجوا كما أمر الله.
هكذا في الزكاة، والصيام، وغير ذلك من العبادات.
ومن ذلك أن الله يقول في القرآن العظيم: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فجاءت السنة فبينت أن الظلم هنا هو الشرك كما في الحديث المعروف، ولولاه لدخلت كل مراتب الظلم في الآية، ومن ذلك ظلم الإنسان لنفسه كما فهم الصحابة رضي الله عنهم، وهذا لا يقدر عليه الإنسان، فلاشك أنه سيظلم نفسه أو غيره.
وقال الإمام الشافعي في “جماع العلم”: (ومثل هذا أن الله عز وجل فرض الصلاة والزكاة والحج في كتابه وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم معنى ما أراد الله تعالى من عدد الصلاة ومواقيتها وعدد ركوعها وسجودها وسنن الحج وما يعمل المرء منه ويجتنب وأي المال تؤخذ منه الزكاة وكم ووقت ما تؤخذ منه.
وقال الله عز و جل (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقال عز ذكره (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فلو صرنا إلى ظاهر القرآن قطعنا من لزمه اسم سرقة وضربنا كل من لزمه اسم زنى مائة جلدة، ولما قطع النبي في ربع دينار ولم يقطع في أقل منه ورجم الحرين الثيبين ولم يجلدهما استدللنا على أن الله عز و جل إنما أراد بالقطع والجلد بعض السراق دون بعض وبعض الزناة دون بعض.
ومثل هذا المسح على الخفين، قال الله تعالى عز و جل (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فلما مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين استدللنا على أن فرض الله عز و جل غسل القدمين إنما هو على بعض المتوضئين دون بعض ، وأن المسح لمن أدخل رجليه في الخفين بكمال الطهارة استدلالا بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه لا يمسح والفرض عليه غسل القدم كما لا يدرأ القطع عن بعض السراق وجلد المائة عن بعض الزناة والفرض عليه أن يجلد ويقطع ) أ.هـ

المبحث الثاني: أن السنة قد تستقل ببعض الأحكام:

ثم قال ابن عبد البر: (و[الثاني]بيان آخر وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، إلى أشياء يطول ذكرها قد لخصتها في موضع غير هذا) أ.هـ
أقول: وهذا كثير جداً، فالسنة قد استقلت ببيان أشياء كثيرة، منها: بيان مراتب الدين وهي الإسلام والإيمان والإحسان، والذين يقولون: “إن ذلك كله في القرآن” يغالطون أنفسهم، لأن القرآن ذكرها مفرقة، وبدون بيان لحقائق هذه المعاني كما جاء في “حديث جبريل”.
ومن ذلك أشراط الساعة الكبرى والصغرى، كأحاديث المهدي، وخروج الدجال، ونزول عيسى، وغير ذلك، ومنها شعيرة الختان التي تعد من أكبر الفوارق العملية بين المسلمين والنصارى، وأما استدلال من استدل بقوله تعالى: (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) فاستدلاله ضعيف، لأن الآية تأمر باتباع ملة إبراهيم، ولكن إثبات أن الختان من ملة إبراهيم يحتاج إلى نص آخر صريح، ومنها تحريم أصناف من الأطعمة لم ينص عليها القرآن ،كتحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ومنها صلاة العيدين، والكسوفين، والاستسقاء، والاستخارة، وغير ذلك من الصلوات، ومنها المسح على الخفين، وحد الخمر، ومنها النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها في وقت واحد، ومنها أحاديث فضائل الصحابة بالأعيان، وأما ما في القرآن من الفضائل فهو بالجملة لا بالأعيان، ويلزم هؤلاء المنكرين للسنة التسوية بين الصحابة في الفضل والمرتبة وهذا خلاف معتقد أهل السنة، ومن ذلك فضائل بعض البقاع المعظمة، وبيان ما فيها من مضاعفة الأجور، وفضائل بعض البلدان كالشام واليمن ونحوهما، ومن ذلك النهي عن البدع، والزيادة في الدين، وبيان عاقبة من يبتدع، ومن ذلك أحاديث فضائل هذه الأمة، وخصائصها، وافتراقها، وتخصيص الطائفة المنصورة منها بالبقاء على الحق، والنجاة من العذاب، ومن ذلك أنواع الكفر، وأقسامه، ومراتبه، وهل وقع الخوارج فيما وقعوا فيه إلا من بعد إعراضهم عن السنة ؟
وأشياء كثيرة لا يمكن حصرها وعدها، وبالجملة فالذي يهدم السنة يهدم الإسلام كله.

الفصل الثالث: المشككون في حجية السنة:
المبحث الأول: من هم هؤلاء ؟

والطاعنون في “السنة” قديماً هم الخوارج ، والمعتزلة، والروافض، ومن جرى مجراهم من أهل البدع والأهواء والضلال، وهم يطعنون في “السنة” في الوقت الذي يقف الأعداء وقفة إعجاب من محمد صلى الله عليه وسلم، كيف اعتنى أصحابه بأقواله وأفعاله عنايةً عظيمةً، فجمعوا سننه وأحاديثه، وسيرته، وشمائله، ثم كيف نقلوها لغيرهم، بما لم يحصل هذا لنبي قبله.
وفي هذه الأزمنة المتأخرة تخرج نابتة سوء لتحمل حملاً عنيفاً على “السنة”، وتقوم بإثارة الشبه حول هذا الأصل العظيم من الشريعة، وهم أنواع مختلفة:
النوع الأول: طائفة تسمي نفسها بـ “القرآنيين” ، أي: ترى القرآن المصدر الوحيد للشريعة الإسلامية، وهي تطرح السنة جملةً وتفصيلاً، وبعض هؤلاء قد يكون أستاذاً في كلية، أو مديراً على ثانوية، أو تاجراً ذا أموال غير ذلك، وكان شيخنا مقبل يقول: “ينبغي أن يسموا أهل الهوى ولا يسمون بالقرآنيين، لأن القرآن لا يعارض السنة بل يدل عليها “.
النوع الثاني: طائفة أخرى يُعرفون بـ “العقلانيين” أو “المدرسة العقلانية” يزنون السنة بعقولهم المريضة، ويشككون الناس فيها بناءً على موازين لا قيمة لها في الشريعة، فهم في الحقيقة أفراخ للمعتزلة القدامى وقد رضعوا هذا الفكر من كتبهم، والعجيب أن أعداء الإسلام أرادوا ضرب القرآن بسلاح هؤلاء العقلانيين وهو العقل، فأثاروا شبهاً حول القرآن كما أثار هؤلاء شبهاً حول السنة.
النوع الثالث: مجموعة أخرى هم من “الكتّاب” و”الصحفيين”، وبعض هؤلاء الصحفيين تأثروا بأفكار الغرب وطريقتهم، فأعجبوا بحضارة الغرب وفتنوا بها، فظنوا أن سبب ترقي الغربيين في التكنولوجيا هو انسلاخهم من الدين وتنكرهم له، وأن سبب تأخر المسلمين هو تمسكهم بدينهم، فثقل عليهم ما يرونه في مجتمعات المسلمين من تمسك بشرائع الإسلام وأحكامه، فقاموا يشككون المسلمين في دينهم، ليتخلصوا من أحكامه.
وآخرون من الصحفيين يكتب عن تأثر بكتب الرافضة، أو المعتزلة، أو غيرهم، فقد سمعت شخصاً يتطاول على “صحيح البخاري” بشيء من شبه الشيعة!!.
وقد يكون في هذه الأصناف من يحمل شهادةً في علم من العلوم، ولكن هذا لا يقدم شيئاً بل هذا حجة عليه يوم القيامة، لأن أهل العلم هم أخوف الناس من الله، وأكثر الناس تعظيماً لشرع الله، وأسرعهم امتثالاً لأوامره، واجتناباً لنواهيه، فعلى المسلم أن لا يغتر بهؤلاء وأن يحذر من طرق الردى والانحراف.

المبحث الثاني: ما هو غرضهم ومقصدهم ؟

دعاة الشر لا يصارحون الناس بدايةً بأهدافهم ، وإنما يتدرجون شيئاً فشيئاً مظهرين للناس أنهم ناصحون حتى يصلوا إلى بغيتهم، لعلمهم أنهم لو صارحوا الناس بما يريدون لردهم الناس، فذهبوا يأتون بكلام يغتر به الجهال وضعفاء العلم، مقتدين في ذلك بإبليس الذي أظهر النصح لأبينا آدم حيث قال الله عنه: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين)، فأظهر أنه ناصح، وأكد كلامه بهذا اليمين لينطلي كذبه.
ومن وسائل الأعداء في ذلك الغمز في “السنة النبوية”، فيثيرون حولها الشبه والتهم ليسهل عليهم بعد ذلك الطعن والتنفير عن القرآن !! بل قد صرح كثير منهم بذلك.
قال طه حسين الموصوف بـ“عميد الأدب العربي” !! في “الشعر الجاهلي“: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة) أ.هـ
أي: قد يكون في القرآن قصص خيالية وأكاذيب ومبالغات!! تعالى الله عن هذا علواً كبيراً، فأين قول الله: (لقد في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثاً يفترى) ؟.
فهدفهم إذاً هو الإسلام ليس غيرُ، وأما ما يثيرونه من الكلام على بعض الأحكام، ونقد بعض الأحاديث فهذه مقدمات، وسيأتي بعدها ما هو أشد منها، نسأل الله أن يحفظ دينه، وأن يعلي كلمته.

الثالث: درجاتهم:

هؤلاء القوم على أقسام:
القسم الأول: يرفض السنة جملةً وتفصيلاً: وهؤلاء يدعون إلى الاكتفاء بالقرآن وحده، وأنه هو المصدر الوحيد للتشريع، وطرح السنة جملةً وتفصيلاً، وهذا كفر كما سيأتي.
القسم الثاني: يرد بعضها دون بعض، أو يستخدم أسلوب التشكيك: فهو يقبل السنة بالجملة مع التحفظ على بعض الأحاديث كأن يتحفظ على الأحاديث الدالة على الأحكام المستقلة، أو أحاديث أخرى أشكلت عليه، وهذا وإن لم يردّ السنة كلها، لكن الطريق الذي يسير عليه طريق يفضي إلى هدم الأحاديث كلها، ويجعلها كلها عرضة للطعن فيها، فهو يناقش فيها لا عن علم ومعرفة بطرق أهل العلم في تعليل الأحاديث وتضعيفها، وإنما اعتماداً على العقل زاعماً أنها تعارض العقل أو العلم الحديث، وهذا ضلال وانحراف، وصاحبه على خطر عظيم، إلا إن كان رده للحديث مع اعترافه بصحته فهذا كفر.
قال إسحاق بن راهويه: (من رد حديثاً صحيحاً عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كفر).
وقال ابن دقيق العيد في “شرح الإلمام” معلّقاً على من يرد حديث الذباب بقوله:
(إن هذا وأمثاله مما تُرد به الأحاديث الصحيحة إن أراد به قائلها إبطالها بعد اعتقاد كون الرسول صلى الله عليه وسلم قالها كان كافراً مجاهراً) أ.هـ

الفصل الرابع: حكم من ينكر السنة:
المبحث الأول: خطورة هذا الفكر وأهله:

تعرف خطورة أي فكر بالنظر إلى عاقبته وما يؤول إليه، فهذا الفكر حقيقته في الأخير رد الشريعة كلها، وهدم الإسلام كله، والانسلاخ من الدين جملةً وتفصيلاً، لأن السنة تفسر القرآن فإذا هدمت السنة أصبح القرآن عرضة لأي تفسير ولو تفسير باطني أو ما جرى مجراه، ولاسيما و”أن القرآن حمّال ذو وجوه” كما قال ابن عباس رضي الله عنه أي: يحتمل لعدة أوجه ومعاني، وإذا كان سلفنا يشنعون على من اعترض برأيه على حديث واحد دون أن ينكره، فكيف بمن ينكر السنة كلها، وماذا عسى أن يقولوا فيه ؟!
فأعداء السنة يريدون أن يصلوا إلى شيء عجز عنه الكفار من هدم الدين وتقويض أركانه، والفصل بين المسلمين ودينهم، فحري بكل مسلم أن يتفطن لهذا الكيد العظيم، وأن يحذر من هذه المقالات المنحرفة التي تنشر في “الصحف” أو في غيرها.

المبحث الثاني: حكمه في الشريعة:

إنكار السنة جملةً وتفصيلاً كفر، وإليك بعض من نص على هذا:
1- الآجري: حيث قال في “الشريعة”:(وكذلك جميع فرائض الله ، التي فرضها الله في كتابه، لا يُعلم الحكم فيها إلا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى) أ.هـ

2- ابن حزم: حيث قال في “الإحكام في أصول الأحكام”:
(ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك.
وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم وبالله تعالى التوفيق) أ.هـ
3- ابن القيم: حيث قالفي كتابه “الروح”: (والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم، وقد قال النبي إني أوتيت الكتاب ومثله معه) أ.هـ
4- السيوطي حيث قال في رسالته “مفاتيح الجنة”: (إن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجةً كفر ، وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) أ.هـ
وقد أخذ السيوطي الأدلة التي ذكرها الشافعي رحمه الله في “الرسالة” في الاحتجاج بالسنة، وزاد عليها بعض الأدلة فأوردها في رسالة خاصة هي “مفاتيح الجنة “.
5- ابن بدران حيث قال في “المدخل”: (وكل من له إلمام بالعلم يعلم أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام) أ.هـ
6- العلامة المعلمي في “الأنوار الكاشفة”: (منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً تقام عليه الحجة، فإن أصرّ بان كفره.
ومنكر وجوب العمل ببعض الأحاديث إن كان له عذر من الأعذار المعروفة بين أهل العلم وما في معناها فمعذور، وإلا فهو عاص لله ورسوله، والعاصي آثم فاسق، وقد يتفق ما يجعله في معنى منكر وجوب العمل بالأحاديث مطلقاً).
7- الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في “مجموع رسائل ومقالات”:
(إن ما تفوّه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفر وردة عن الإسلام، لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتا، ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافر بالإجماع، ولا يجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير من فتنته وبيان كفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة في الصحف السيارة) أ.هـ
8- شيخنا مقبل بن هادي الوادعي:
فقد سمعته أكثر من مرة يكفر من ينكر السنة جملة وتفصيلاً، وذلك في الدروس وفي مجالس خاصة.

الفصل الخامس: من شبه القوم:

لهم في التشكيك في “السنة النبوية” صور عديدة، وشبه كثيرة نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر، ونجعل لكل شبهة مبحثاً خاصاً.

المبحث الأول: الطعن في الصحابة رواة الحديث:

كثيراً ما يطعن هؤلاء في الصحابة كما فعل أبو رية” و”حسن الترابي” وغيرهما، ويدخل في ذلك ما تفعله بعض “الصحف”، فيشككون في “عدالة الصحابة” بطرق كثيرة، لأنهم حملة السنة والحديث فإذا طعن فيهم سَهُل بعد ذلك الطعن في السنة والحديث بل وفي القرآن، وإذا طعن في الحامل سَهُل الطعن في المحمول.
روى الخطيب في “الكفاية” واللالكائي في “أصول الاعتقاد” عن أبي زرعة الرازي قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) أ.هـ
وعدالة الصحابة شيء متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، لا يخالف في ذلك أحد، وإجماع أهل السنة حجة، فقد قال شيخ الإسلام في “منهاج السنة” (5/166): (فلهذا لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله[أي:النبي صلى الله عليه وسلم]في كلمة واحدة والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو مما جاء به الرسول وكل من خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع فإنما يخالف رسول الله صلى الله عليه و سلم ، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفا للسنة الثابتة) أ.هـ
ولقد سار الأئمة من أهل القرون المفضلة على القول بعدالة الصحابة، خلافاً للخوارج والمعتزلة، والرافضة، وغيرهم من أهل البدع والأهواء.
وأصحاب رسول الله لهم من المحاسن والفضائل من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونصرة دينه، وتأييده، والقيام بحفظه ونشره بعد موته صلى الله عليه وسلم، ما كان سبباً لأن يرضى الله عنهم، ويغفر ذنوبهم، ويجعلهم من أهل الجنة، ويجعلهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فليس لهم في الزمن الماضي ولن يكون في الزمن القادم مثيل، فهم أفضل جيل عرفه التاريخ، فلا يضرهم ما حصل فيما بينهم من القتال، فكلهم مجتهد مأجور، يدور كل واحد منهم بين الأجر والأجرين، وقد رضي الله عنهم مع علمه بما سيحصل بينهم.
قال ابن بطة في “الشرح والإبانة” (ص62): (ومن بعد ذلك نكفّ عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق، لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم) أ.هـ
وإن قدرنا أن هذا من ذنوبهم فلهذه الذنوب من المحاسن ما يكفرها في الدنيا ويغفرها، وإن قدرنا أن ذنوبهم لم تغفر في الدنيا فإنهم داخلون في شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فهم أولى الناس بها ، والله يغفر الذنوب بالتوبة، والمحاسن العظيمة الماحية، والمصائب المكفرة، والشفاعة المقبولة وغير ذلك من الأسباب التي دلت عليها النصوص خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون: “لا تغفر الذنوب إلا بالتوبة منها في الدنيا” !!.
وعلى كل حال فليس لأحد حجة عند الله في طعنه وكلامه في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم.
قال شيخ الإسلام في “الواسطية” : (ويقولون[أي:أهل السنة] إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته أو ابتلى ببلاء في الدنيا كُفر به عنه فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور لهم ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الايمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى) أ.هـ

المبحث الثاني: قولهم إن الأحاديث رويت بالمعنى:

وتارة يشككون في السنة بأنها رويت بالمعنى، وهذا لعمرو الله ليس بشيء، لأن أهل الحديث اشترطوا للرواية بالمعنى شروطاً كفيلة في وصول الحديث إلينا سليماً، كأن يكون الراوي عالماً بالمعاني التي يحيل إليها، ثم إن روى هذا الراوي بما يخالف المعنى، تعرض لنقد علماء الحديث الذين يشترطون في الحديث سلامة الألفاظ من الشذوذ والعلل، على أن الذين أجازوا الرواية بالمعنى هم بعض المحدثين وليسوا جميعاً وهم الجمهور كما أشار إلى ذلك العراقي في “الألفية”، ثم إن كثيراً من الرواة يروي من “كتابه” لا من “حفظه”.
وعلى العموم فقواعد المحدثين جعلها الله سبباً لحفظ الحديث بما لم يسبق إليه، حتى قال بعضهم: (يحق للمسلمين أن يفخروا بعلم الحديث).
ومن العجيب أن هؤلاء يثبتون كتباً إلى أصحابها قد مر عليها آلاف السنين، وتناقلتها آلاف الأيادي المجهولة، ككتب أرسطو وغيره من الفلاسفة، ويردون الأحاديث التي تكفل الله بحفظها، وتناقلها خيار الأمة بعناية عظيمة جيلاً بعد جيل !!.

المبحث الثالث: التفريق بين المتواتر والآحاد:

إعلم أن تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد بحيث يقبل المتواتر مطلقاً، ولا يقبل من الآحاد إلا ما كان في باب “الأحكام” دون “العقيدة” إعلم أن هذا تقسيم باطل، وإنما سار عليه أهل السنة في كتب “المصطلح” لأنه من حيث الواقع صحيح، فالأحاديث باعتبار وصولها إلينا قسمان: قسم متواتر: أي رواه جمع عن جمع في أول السند وأثناءه وآخره، تحيل العادة تواطؤ هذا الجمع على الكذب، ويكون مستندهم الحس. وقسم آحاد: أي ما لم يكن كذلك.
لكن هذا التقسيم عند المعتزلة له مقصد سيء، وهدف خبيث، وهو رد أحاديث “العقيدة”، وكلام المعتزلة مردود وباطل لعدة أوجه:
أولاً:لم يكن هذا التفصيل موجوداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عرفه الصحابة ولا التابعون ولا أتباعهم، وإنما ابتدعه المعتزلة من عند أنفسهم تحكماً في الدين بأهوائهم.
ثانياً: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل رسله إلى الملوك والقبائل آحاداً لتبليغ أصول الدين، والإيمان برسالته صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من الوحي، وما يتبع ذلك من أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق دون التفريق بين خبر وخبر، وهم لم يطلبوا منه ذلك، لعلمهم أن الحجة قد قامت بهذا، فمن آمن به فهو من الناجين، ومن كفر به فهو من الهالكين.
قال الشافعي في “الرسالة” (ص415): (ولم يكن رسول الله ليبعث إلا واحداً الحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه إن شاء الله) أ.هـ
واستمر أصحابه من بعده كذلك فهو إجماع عملي ينقض قول المعتزلة، وقد نقل الإجماع غير واحد.
ثالثاً: إن هذا التفصيل المذكور هو من أخطر أبواب “العقيدة” فيحتاج إلى أدلة متواترة ومتكاثرة لتقريره وتقعيده، فهذا التفصيل يستدل له قبل أن يستدل به وهذا ما لا يملكه المعتزلة.
رابعاً: قد ردت المعتزلة أحاديث كثيرة في باب “العقيدة” مع كونها متواترة !! كأحاديث “عذاب القبر” و “الرؤية” و “أحاديث الشفاعة” و ” الحوض” و “الميزان” و غير ذلك.
وعلى العموم فكل ماصح عن رسول الله فهو حق كما قال الطحاوي في “عقيدته”.
وقال ابن عبد البر في “جامع بيان فضل العلم”: (ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صح عن رسول صلى الله عليه وسلم أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه) أ.هـ
ونحيل القارئ إلى كتاب “أخبار الآحاد” من “صحيح البخاري” فقد ساق البخاري رحمه الله جملة من الأحاديث في نقض هذا القول، وبالله التوفيق.

الفصل السادس: التعامل الصحيح مع الأحاديث:

هناك من لا يسيء إلى السنة بإنكارها وردها، ولكن يسيء إليها من جهة أخرى من حيث التعجل في تضعيف الأحاديث وتعليلها، فها نحن نبين التعامل الصحيح مع الأحاديث الواردة، ونختصر هذا التعامل إلى ثلاثة أمور:

أولاً: تدقيق النظر في سنده:

إن كان للحديث سند فينظر في هذا السند ويحكم عليه بما يستحقه بعد النظر والتدقيق في عدالة الرواة وضبطهم في “كتب التراجم”، والنظر في اتصال الأسانيد في “كتب المراسيل” و “التراجم” أيضاً، والنظر في انتفاء الشذوذ والعلة عن الحديث في كتب “العلل” أو “التراجم” فقد يذكرون الحديث في ترجمة الراوي على أنه مما أنكر عليه، فالحكم على الحديث يحتاج إلى جهد ليس بالهين، وربما مر على الباحث اليوم واليومان والثلاثة وأكثر دون الوصول إلى نتيجة.
وننبه إلى أن هناك أحاديث بإمكان المسلم أن يعمل بـها وهو مطمئن – بعد معرفة معانيها -كأحاديث “الصحيحين”، فهذه الأحاديث لا حاجة للنظر في أسانيدها لأن أصحابها قد اشترطوا الصحة في الأحاديث، ومثل ذلك ما يشترط فيه المؤلف الصحة ويعرف عنه التحري، ككتاب “السلسلة الصحيحة” للعلامة الألباني، وكتاب شيخنا “الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين” رحمهما الله، وما جرى مجراهما من الكتب التي يتحرى فيها أصحابها الصحيح، إلا إذا كان باحثاً يحب أن يتأكد ويبحث بنفسه فله ذلك.
وننبه على أنه ينبغي التورع في تصحيح الأحاديث وتعليلها وما يترتب على ذلك من مسائل، ولاسيما بعد الذي عرفناه من منزلة الحديث في الشريعة الإسلامية، فينبغي على الطالب المبتدئ أن لا يخوض في هذا الباب حتى يتعلم نظرياً مدة من الزمن على يد أهل العلم المتخصصين في هذا الفن، ثم يتمرس عملياً مدة ليست قليلة في هذا الفن، فإذا رأى أن أكثر أحكامه على الأحاديث توافق أحكام أهل العلم علم بعد ذلك أنه قد ثبتت قدمه على الطريق.
وإنما دفعني إلى ذلك ما نراه من تسرع بعض المبتدئين في التصحيح والتضعيف مع ضعفهم في التعليل والترجيح، وعلى هذا فعلم الحديث يحتاج إلى ممارسة طويلة وتطبيق عملي، ليتمكن طالب علم الحديث بعد مرور زمن طويل من أن يكتسب ملكة يكون بها ماهراً في هذا الفن.

قال الخطيب البغدادي في “”الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع” (ص415):
(قل ما يتمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويستنير الخفي من فوائده، إلا من جمع بين متفرقه، وألف مشتته، وضم بعضه إلى بعض، وانشغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه، فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس، ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البيان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس، ويكسب أيضاً جميل الذكر، وتخليده إلى آخر الدهر) أ.هـ
ولأهل العلم كلام كثير في هذا الموضوع كالنووي والذهبي والسيوطي وغيرهم، ومن هؤلاء الألباني أمير المؤمنين في الحديث في هذا العصر ولاسيما وقد عانى هو من هذا الصنف المشار إليه، فيقول رحمه الله في “دفاع عن الحديث النبوي والسيرة”: (وختاماً فإني أنصح الدكتور أن لا يكتب إلا في علم أتقنه وتمرس فيه مدة من الزمن، وأن يكون رائده في ذلك النصح للمسلمين ، والإخلاص لرب العالمين) ثم ساق كلمة للنووي أ.هـ المراد.
وعلم الحديث من الخطأ أن نظن أنه علم تسير جميع فروعه على قواعد مطردة لا تتغير دائماً كالمقاييس الرياضية !! فهذا خطأ كما كان يقول الشيخ الألباني رحمه الله، وإنما قواعده وأصوله أغلبية ويرجع الباحث في كثير من أحكامه إلى اطمئنان النفس وما توحي إليه ملكته وخبرته في هذا الفن، بل في كثير من مسائل علم الحديث يصرح المحققون من أهل العلم أنه ليس لها قاعدة معينة، وإنما يرجع في كل جزئية منها إلى الملابسات والقرائن، ثم يكون الحكم على الحديث معتمداً على هذه الحالة الخاصة ، مثل مسألة (زيادة الثقة)، و(الشواهد والمتابعات)، و(مباحث التدليس) و (تعارض الجرح والتعديل في الراوي) ونحو ذلك.
ويمكن للطالب أن يمارس تطبيقاً عملياً لعلم الحديث وذلك بأن يقوم الطالب بتحقيق كتاب، أو تخريج أحاديث متفرقة تمر به في دروسه أو تدريسه ويجعلها في دفاتر خاصة، ليتقوى في التخريج والحكم على الحديث، وسيستفيد فائدتين كبيرتين:
الأولى: أنه يصل إلى حكم الحديث بنفسه ويأخذ من حيث أخذ القوم، مع الحرص على عدم الاستقلالية في بداية الطلب.
والثانية: اكتساب الملكة، وحصول التمرس.
ولا يكون غرضه من هذه البحوث هو تأليف كتاب يخرجه للناس بقدر ما يكون غرضه الاستفادة والتمكن ولاسيما في بداية الطلب، ولا يهمل عرض ما كتبه على المتخصصين، وهذا هو المقصود من كلام الخطيب والنووي وغيرهما في هذا الباب، والواجب على المتخصصين أن يراجعوا الكتاب جيداً، فإذا خرج الكتاب اغتر الناس بهذا التقديم والتزكية وإن كان الكتاب في نفسه ضعيفاً.

ثانياً: النظر في معاني الحديث على طريقة أهل العلم:

فإن صح سنده فإن كان معناه واضحاً فلا إشكال، وإلا فينبغي النظر في أقوال أهل العلم المختصين بذلك ولاسيما المتقدمين، فينظر في شروحهم للحديث وتوجيههم له، وكيف حملوه، ولا ينبغي التعجل في رد الأحاديث لمجرد أنها أشكلت علينا، وقد سئل شخص عن حديث: “ولد الزنا شر الثلاثة” فضعّفه لأن ظاهر الحديث أشكل عليه، والحديث صحيح وقد صححه الألباني في “الصحيحة” (672)، وأهل العلم يحملونه على ما إذا سار ولد الزنا على طريقة أبويه، وقد جاء ذلك صريحاً في “مسند أحمد” عن عائشة وفيه: (إذا عمل بعمل أبويه)، وقيل: قاله النبي صلى الله عليه وسلم في رجل بعينه لا في كل ابن زنا، وينظر “الصحيحة”.
بل سئل هذا الرجل نفسه عن حديث: “اهتز عرش الرحمن لموت سعد” فضعّفه !! والحديث في الصحيحين وهو متواتر، قال الذهبي في “العلو للعلي الغفار”: (فهذا متواتر أشهد بأن رسول الله قاله) أ.هـ
مع العلم أننا نعني بالمشكل ما كان في غير الأسماء الصفات وما جرى مجراها، لأن معاني الأسماء والصفات من المحكم لا المتشابه، وبالله التوفيق.

ثالثاً: التسليم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فإذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن منسوخاً قدم على كل قول، فلا يعارض برأي، ولا قياس، ولا بمذهب، ولا بقول شيخ، ولا بقول الآباء والأجداد، ولا بالعادات والتقاليد، ولا بالكشف، ولا بالذوق، ولا بالمنام، ولا بما عليه الناس اليوم، ولا بغير ذلك، فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم حكم على غيره وليس غيره حكماً عليه، ويقدم على غيره ولا يقدم غيره عليه.
وللسلف في هذا الباب عبارات عجيبة في شدة تمسكهم بالحديث إذا صح، والتغليظ على من عارضه بشيء من الهوى والرأي.
ولكن ينبغي أن يعرف قبل ذلك كله “فقه الحديث” وأن يفهم الفهم الصحيح، وأن يعرف حدود الخلاف في معاني هذا الحديث أو غيره، فمن ترك الحديث لمرجح آخر فلا يتنزل عليه ما ذكرناه من شدة السلف ولاسيما إذا لم يعرف عنه تتبع الرخص، مثل اختلافهم في أحاديث “الوضوء من مس الفرج” و ” الوضوء من أكل لحم الإبل ” و “قراءة الفاتحة في الصلاة” وغير ذلك، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فقد اختلف الشيخ الألباني مع الشيخ ابن باز في أحاديث الأمر بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: هل يدخل فيها ما بعد الركوع أو لا يدخل ؟ على قولين معروفين، واختلفوا في حديث صيام يوم السبت، صحةً وضعفاً، وعلى الأول هل يفيد التحريم مطلقاً أو إذا انفرد، على أقوال معروفة، ولم يصر أحد من هؤلاء إلى شيء من التغليظ على المخالفين له، ولم ينزل عليه كلام السلف، فعرف من ذلك أن شدة السلف تنزل في حالة المعارضة للحديث بالهوى والرأي المجرد عن العلم.
إلى هنا ينتهي ما أردنا من “التنبيهات المختصرة”، هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عدن/شوال /1429
كتبه: علي الحذيفي.

منزلة السنة في التشريع الإسلامي للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله

•June 23, 2009 • 1 Comment

مع الـهدي النّبوي

مـنـزلـة السـنـة في التـشريـع الإسـلامـي

فضيلة الشيخ محمد أمان بن على الجامي

الرسالات السماوية التي كلف اللّه بها رسله المختارين من البشر، هي الرابطة بين السماء والأرض؛ ولقد كانت تلك الرسالات متحدة في أصولها، إذ كانت كلها تنادي أول ما تنادي {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [1]، ولكنها كانت متنوعة أو مختلفة في الشرائع والمناهج إذ كان كل رسول يُبعث إلى قومه، وبلسان قومه، على ضوء منهـج معـين، وتشريع خاص محدود واستمر الوضع هكذا، لحكمة يعلمها ربنا سبحانه، فترة طويلة من الزمن.

ولما أراد الله أن يختم رسالته إلى أهل الأرض، اختار من بين عباده نبيه المصطفى، ورسوله المرتضى، محمد بن عبد الله، النبيّ العربي الهاشمي، ليرسله إلى الناس كافة، وقد خلقه الله لهذا الغرض، وربّاه تربية خاصة، وأولاه عنايته، وأدّبه فأحسن تأديبه، وبعد تمهيدات وإرهاصات مرّت عليه في طفولته وصباه، بعثه اللّه إلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابه الأخير الذي ليس بعده كتاب ( القرآن الكريم )، وهو كتاب الله المهيمن على الكتب التي قبله، ووصفه بأنه كتاب{لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}؛ وقد تكفل اللّه بحفظ هذا الكتاب {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [2] ؛ ووكل تبيانه إلى رسوله الأمين محمد عليه الصلاة والسلام  {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}[3] ، وشهد له أنه في بيانه هذا، وأداء أمانة الرسالة {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ولما كان هذا شأنه، وهذه مكانته، أوجب اللّه طاعته، وحرّم معصيته، إذ يقول عز من قائل:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[4]، ويقول سبحانه، وهو ينفي عمن لا يحكمونه، أو يرون في أنفسهم حرجاً وغضاضة أو توقفاً عن حكمه، ولا يسلمون تسليماً كاملاً عن اقتناع، وانشراح نفس، يقول الله في حق هؤلاء:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[5] ؛ هكذا تكشف هذه الآية الكريمة دعاة الإيمان – بالرسول، دون عمل بسنته ، أو رضىً بحكمه ؛ فالآية – كما ترون – تنفي عنهم الإيمان ، وتعريهم أمام الناس ، لئلا ينخدع ويظن، أن الإيمان بالرسول يتم بمجرد دعوى الإيمان ، والقول باللسان ؛ وتأتي في هذا المعنى آية أخرى، تهدد أولئك المدعين المخالفين عن أمره بالفتنة والعذاب الأليم:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[6] ، وقد فسر بعض أهل العلم الفتنة هنا، بالزيغ والإلحاد، لقاء رده لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا تكرر منه ذلك، والله أعلم؛ وبهذه الأساليب المتنوعة يدعو القرآن الناس إلى الإيمان بالسنة، والعمل بها، وأنها هي والقرآن، هما الأساس حقاً لهذا الدين. وإذا كان الإيمان بالرسول أصلاً من أصول الإيمان، فإن الإيمان بسنته، جزء لا يتجزأ عن الإيمان به، عليه الصلاة والسلام، لأنه صاحب السنة، ولأن الإيمان – كما يعرفه الإمام ابن القيم:” هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد له، محبةً وخضوعاً، والعمل به ظاهراً أو باطناً، وتنفيذه، والدعوة إليه بحسب الإمكان “.

وكما له في الحب في الله والبغض في الله ، والعطاء لله والمنع لله ، وأن يكون الله وحده معبوده ؛ والطريق إليه ، تجريد متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً ، وتغميض عين القلب عن الإلتفات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالله التوفيق .

وبعد:فأنت ترى أن الإمام ابن القيم رحمه الله ، يجعل تجريد متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، طريقاً إلى حقيقة الإيمان .

ولا غرابة في ذلك ، بل هو أمر منطقي، كما ترى؛ ولو أنك زعمت بأنك تحب العالم الفلاني وتقدره، وله في نفسك كل تقدير احترام ، ومع ذلك كنت لا تقدر كلامه، ولا تعيره اهتماماً، ولا ترفع رأساً لحديثه، فطبيعي أن يصارحك إنسان ما مالي أراك – يا فلان – تدعي محبة – العالم الفلاني – بل التفاني في حبه، ومع ذلك لا تعير أدنى اهتمام لكلامه وحديثه وعلمه ؟!! هذا تساؤل لابد منه، عقلاً ومنطقاً، ولست أدري ماذا يكون جوابك ؟!! هل تقول في الجواب: إنني في الواقع لا أكنّ له محبة، وإنما هي مجرد إدعاء لظروف ما، ولا أعني بالمحبة أكثر من ذلك ! !

أو تقول : إنني أحبه وأقدره حقاً، ولكن الهوى والشيطان، ولكن القرناء، ولكن الجفاء الذي أصاب قلبي. كل ذلك حال دون الانتباه لكلامه، والانتفاع بحديثه، والتأسي له؛ ولابد لك من أحد الجوابين فأي ذين تقدم وتختار؟!! فأحلاهما مرّ، والله المستعان، والأمر بالنسبة للرسول وسنته أعظم وأخطر وكيف لا ؟!! ، ونحن إنما عرفنا الله وآمنا به وعبدناه وحده، بدعوته التي بلغتنا في طيات سنته ، التي حملها إلينا الثقات من علماء الصحابة ومن بعدهم؛ الذين قيضهم الله لها، وأكرمهم بخدمتها، فبها بينوا القرآن وفسروه، وعلى ضوئها بنوا أحكام الشريعة حكماً حكماً. وقعدوا القواعد، وضبطوا الضوابط، التي يرجع إليها عندما تنزل نازلة، وتحدث حادثة ، وتجدّ الأمور ..

وكل من يدعي الإيمان باللّه وبرسوله، ثم يتجرّأ فينكر سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، أو ينكر حجيتها، أو إفادتها العلم اليقيني، إنما يتناقض تناقضاً، ويضطرب في كلامه إضطراباً، ويتخبط في تصرفه تخبطاً ؛ فليقرأ- إن شاء- قول الحسن البصري رحمه الله: ” ليس الإيمان بالتمني ولا بالتخلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل “، ولا عمل يقبل دون موافقة السنة ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد” [7] وسوف تنجلي الحقائق ، يوم تبلى السرائر، والله المستعان .

سـوف تـرى إذا انجـلى الغُبـار

أفـرس تـحـتـك أم حـمــار

وبعد هذه المقدمة القصيرة، نأخذ في الحديث في صلب الموضوع، مستعينين بالله وحده فنقول:

المنزلة هي المكانة والمرتبة، والمراد بها هنا: المرتبة التي تشغلها السنة النبوية في باب التشريع، حيث لا يستغني عنها بوجه من الوجوه، إما مستقلة أو مبنية للكتاب، إذ لابد من عرض كثير من آيات الأحكام عليها، لتفسير المجمل، وتقيد المطلق، وتخص العام، إلى غير ذلك من الأغراض التي تحققها السنة، والدور الذي تمثله – إن صح مثل هذا التعبير .

السنة في اللغـة

السنة في اللغة: هي الطريقة: سواء كانت محمودة أو سيئة، ويشهد لهذا المعنى، حديث جرير بن عبد الله البجلي: ” من سنّ سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سنّ سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ” [8] رواه مسلم في صحيحه ؛ ومعنى الحديث : أي من أتى بخصلة حسنة، فله أجرها وأجر من تأسى به وعمل مثل عمله، لأنه الفاتح لباب الخير، والدال عليه بعمله؛ وكذلك الحال بالنسبة للسيئة، لأن من أتى بخصلة سيئة، وتأسى به غيره، فعليه وزرها ووزر كل من تأسى به بعده، لأنه فاتح لباب الشر، وداعٍ إلى الشر بفعله ومبادرته.

ويقول أهل اللغة : السنة : السيرة، حسنة كانت أو قبيحة .

السنة في لسان علماء الشريعة

يختلف علماء الشريعة في معنى السنة اختلافاً لفظياً لا جوهرياً:

فيطلق علماء الأصول لفظ السنة على أقوال الرسول عليه الصلاة والسلام وأفعاله وتقريره – وربما أطلقوها على أعمال الصحابة، كعمل أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما في جمع القرآن، وعمل عمر رضي الله عنه في تدوين الدواوين ، ونحو ذلك ، وهو مذهب جماعة من أهل الحديث.

وقد يطلق الفقهاء السنة على الطريق المسلوكة في الدين. في غير وجوب أو لزوم، ومن عباراتهم المعروفة في تعريف السنة: أن السنة ما يُثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.

ويطلق جمهور علماء الحديث، السنة على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على السنة، إذا كان عمله وتصرفاته الدينية، وفق ما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كما يقال: فلان على بدعة، إذا كان مخالفاً لهديه وسنته عليه الصلاة والسلام؛ ومن إطلاقات السنة عندهم أيضاً: أنها قد تشمل صفاته الحميدة، وأخلاقه الكريمة، وسيرته العطرة، ويمكن أن يشهد لهم على هذا الإطلاق، قول أم المؤمنين خديجة- رضي اللّه عنها ” كلا واللّه، لا يخزيك اللّه أبداً: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ” [9] .

وكذلك ما كان عليه الصلاة والسلام، معروفاً بين قومه، حتى قبل مبعثه من الصدق والأمانة، لأن كل [10] ذلك يستفاد منه في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام، ورسالته، وهي مرادفة للحديث، كما ترى بهذا الاعتبار.

حاجة الإنسان إلى الرسول والرسالة

الإنسان، ذلك الحيوان المختار، ولكنه تحفه الشهوات، وتكتنفه متطلبات الغرائز، وتجتاحه الأهواء، وهو أشبه ما يكون بالمريض مثلاً، لا يجد سبيلاً للخلاص مما حل به من مرض، والفوز بالبرء والعافية، إلا بطبيب ناصح؛ فإن ائتمر بأمره فعزف عما تميل إليه نفسه، وامتنع عن الشهوات، ومتع ولذّات، سلم من الهلاك، وإلا فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، وهذا يعني: أن حاجة الإنسان إلى الرسول ورسالته، وما تشتمل عليه سنته أمسّ من حاجته إلى الطبيب والدواء – ويتضح ذلك بإجراء مقارنة ملموسة، بعيدة عن الفلسفة.

وذلك أن غاية ما يصيب الإنسان، إن أعرض عن الطبيب، ولم يحيى قلبه بما فيها من الوحي الإلهي، كتاباً وسنة، فتعتريه الأسقام والآفات التي لا برء منها، ويموت قلبه ولا يرجى بعده الحياة، وتنضب ينابيع السعادة، وتغشاه أمواج غامرة متلاطمة من الشقاء والتعاسة، ويغادره اليقين، ولا تعود الحياة والسعادة إليه إلا بالعودة إلى نور الوحي والاستضاءة بنوره، والله المستعان.

السنة صنو القـرآن

ويتضح مما تقدم، أن ملخص معنى السنة، ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير… وأن السنة من الوحي الإلهي:{ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}[11]. كما يدل على ذلك من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: ” ألا، وإني أوتيت القرآن، ومثله معه ” [12] . فالسنة إذاً صنو القرآن، وهي وحي مثله، وملازمة له، ولا تكاد تفارقه، ولا يكاد القرآن يُفهم كما يجب أن يفهم، إلا بالرجوع إلى السنة في كثير من آياته، ولا سيما آيات الأحكام.

معـنى الـوحي

الوحي: هو الإعلام الخفي والسريع، ولذلك يطلقون على الرموز والإشارات الخفية أنها من الوحي، عند أهل اللغة! ومنه الإلهام: ” وهو إلقاء المعاني الخاصة في النفس؛ والوحي إلى غير الأنبياء من هذا القبيل، كالوحي إلى النحل:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}[13]، وأما في لسان الشرع: إعلام اللّه لأنبيائه بطريق خفية أخبار السماء، وما يريد أن يبلغه من التعليمات والتوجيهات والتشريع، بحيث يحصل لديهم علم، قطعي، لا يتطرق إليه أدنى شك، بأن ذلك من عند الله سبحانه، فيكون مصدر الوحي: هو اللّه وحده، فلا وحي إلا من الله ؛ ومورد الوحي هم الأنبياء ، فلا يكون الموحى إليه إلا نبياً، وهكذا يتضح أن المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي كما ترى.

أقسـام الوحي

إعلام الله لأنبيائه ما يريد إعلامهم، يكون بطرق ثلاثة، وقد أشار القرآن إلى هذه الطرق، حيث يقول عز وجل:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}[14] .

أولاً

: المراد بقوله تعالى {إِلاَّ وَحْياً}: الإعلام، الذي هو الإلهام: وهو إلقاء المعنى المراد في قلب نبي من أنبيائه، حتى يفهمه جيداً، ويقطع بأنه من عند الله .

ثانياً

: الكلام من وراء حجاب، كلاماً حقيقياً، يقطع بأنه سمع كلام ربه الذي كلمه كيف شاء، دون أن يراه، كما حصل لنبي الله وكليمه موسى عليه السلام في أول بدء الوحي، حيث قال:{نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ}[15]، حتى سمع سماعاً حقيقياً، ولكن دون رؤية؛ وكذلك عند مجيئه للميقات، حيث يقول الله سبحانه:{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}[16]؛ وقد حصل هذا النوع لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ليلة المعراج، عندما فرض الله عليه وعلى أمته الصلوات الخمس، والقصة معروفة ولا حاجة لسردها.

ثالثاً

: إعلام الله لنبي من أنبيائه ما يريد تبليغه بواسطة الملك ” جبريل “، وهذا النوع هو الغالب والأكثر وقوعاً، وقد كان جبريل يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بأشكال وصور مختلفة، إذ كان يأتيه أحياناً، متمثلاً بصورة الصحابي الجليل (دحية الكلبي)، وربما جاء بصورة أعرابي، وقد رآه مرتين على صورته الحقيقية: مرة عند غار حراء، حيث كان يتحنّث قبل الوحي، ومرة عند سدرة المنتهى في ليلة الإسراء والمعراج؛ وقد لا يرى النبي عليه الصلاة والسلام الملك أحياناً، وإنما يسمع عند قدومه دوياً كدوي النحل، وصلصلة شديدة، فتعتريه حالة روحية غير عادية .

تؤخذ هذه المعاني كلها أو بعضها، من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها، ذكره البخاري في صحيحه: ” أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:” أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال؛ وأحياناً يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول “، قالت عائشة رضي الله عنها:” ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً  “.

ومما لا يختلف فيه اثنان دارسان للإسلام : أن ديننا مبني على أصلين اثنين :

الأصل الأول : أن يعبد الله وحده دون أن يشرك به غيره بجميع أنواع العبادات، وقبل أن يصرف شيء منها لغير الله؛ وذلك معنى قول المؤمن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .

الأصل الثاني : أن يعبد الله  بما شرعه على لسان رسوله وخليله محمد عليه الصلاة والسلام، وهو معنى قول المؤمن: وأشهد أن محمداً رسول الله، وصحة الأصل الأول تتوقف على تحقيق الأصل الثاني، ومعنى تحقيقه نوجزه في صدق متابعة رسول الله عليه الصلاة والسلام لأن إتباعه دليل محبة الله عز وجل، الذي محبته ومراقبته والأُنس به، غاية سعي العبد وكده، وهي أيضاً جالبة لمحبة الرب عبده ومغفرته له، إذ يقول عز من قائل:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[17]. وذلك لأنه رسوله المختار ليبلغ دينه الذي شرعه لعباده، وهو المبلغ عنه أمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرّمه والدين ما شرعه وارتضاه، والرسول صلى الله عليه وسلم واسطة بين الله وبين عباده في بيان التشريع، وما يترتب عليه من وعده ووعيده، وتبليغ وحيه الذي اشتمل على ذلك كله قرآناً وسنة، وقد كلف بذلك تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[18]. وبقوله:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [19].

وقوله:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم}، وقوله:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[20] .

إن هذه الآية من الذكر الحكيم، تبين بوضوح وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي القيام بواجب التبليغ، والبيان والدعوة إلى دين الله وإلى شرعه الذي شرعه الله تعالى لعباده وارتضاه لهم.

وهذه الأوامر الربانية الثلاثة، التي تقدم ذكرها في طي الآيات السابقة، تحقق غرضاً واحداً، وهو دلالة الخلْق على الطريق الموصلة إلى الخالق سبحانه، وهو راض عنهم، حتى يكرمهم في دار كرامته، لقاء ما قاموا به من أداء ما أوجبه الله عليهم في هذه الدار، من تحقيق العبودية، ليصدق في حقه عليه الصلاة والسلام قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[21]، حقاً إنه رحمة مهداة، ونعمة مسداة للبشرية جميعاً، ولكن الشأن أن يرفع أتباعه رؤوسهم لدراسة سنته كما يجب، مكتفين بها، ليفهم كتاب الله على ضوئها، متجردين لها؛ تلك السنة التي هي ذلكم البيان، وذلكم البلاغ، وتلكم الدعوة .

وبعد : فلا يشك مسلم مهما انحطت منزلته العلمية، وضعفت ثقافته، وضحلت معرفته أن الرسول الكريم، محمداً عليه الصلاة والسلام، بلغ ما نزل إليه من ربه، وهو القرآن الكريم، ذلك لأن الإيمان بأن الله نزّل القرآن على رسوله الذي اصطفاه محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه بلّغ ما نزل إليه، كما نزل، وأنه بين للناس ما احتاج إلى بيان، وأجاب على أسئلتهم واستفساراتهم في موضوعات كثيرة،  ودعاهم إلى الأخذ بما جاء به من ربه من الوحي، ولم يفْتُر عن الدعوة إلى ذلك حتى التحق بالرفيق  الأعلى إن هذا المقدار من الإيمان، أصل هذا الدين، وأساسه الذي ينبني عليه كل ما بعده من واجبات الدين وفرائضه، وإذا كنا نؤمن هذا الإيمان – ويجب أن نؤمن – فأين نجد بيانه الذي يتحقق به، امتثاله عليه الصلاة والسلام لتلك الأوامر الربانية {بَلِّغْ} {لِتُبَيِّنَ} {ادْعُ} الجواب: نجد ذلك في سنته المطهرة،  ولا نجد في غيرها، تلك التي قيض الله لها من شاء من عبادة، وهم جهابذة علماء المسلمين، فحفظوها وصانوها من كل مختلف، وكل معنى مزيّف ليصدق قوله تعالى :

وقوله الحق وخبره المصدق:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[22]، والذكر المنزل المحفوظ: هو القرآن بالدرجة الأولى، وقد حفظه الله بما شاء، وتدخل السنة في عموم الذكر في الدرجة الثانية عند التحقيق وإمعان النظر، وقد حفظها الله تعالى بأولئك الجهابذة العلماء، كما قلنا آنفاً، والسنة التي يتم بها ذلك البيان المطلوب: هي أقواله وأفعاله وتقريراته [23].

السنة هي الحكمة

وقد ذكر الله الحكمة في عديد من آيات الكتاب العزيز، مقرونة بالكتاب، ومما لا شك فيه أن المراد بالحكمة في تلك الآيات المشار إليها كلها: السنة النبوية.

ومن تلكم الآيات قوله تعالى:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [24]، وقوله تعالى:س{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة}[25] ، {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}[26] ، وقوله:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [27]، وقوله سبحانه:{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً}[28]، والآيات في هذا المعنى كلها تعطف الحكمة على الكتاب عطفاً يدل على المغايرة طبعاً .

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: فرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله عليه الصلاة والسلام. وقال رحمه الله في رسالته المشهورة:” فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضاه من أهل العلم بالقرآن يقول:” الحكمة سنة رسوله ” ثم قال الإمام رحمه الله معلقاً على هذا القول:” وهذا أشبه ما قال والله أعلم ” ثم علل ذلك قائلاً:” لأن القرآن ذكر وتبعته الحكمة، وذكر الله منَّـتَهُ على خلقه، بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز- واللّه أعلم- أن يقال: الحكمة هاهنا غير سنة رسول اللّه، وذلك أنها  مقرونة مع كتاب الله، وأنه افتراض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرض، إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله عليه الصلاة والسلام “، إلى أن قال : “وذلك لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقروناً بالإيمان بالله وسنة رسوله، مبينة عن الله معنى ما أراد ثم قرن الحكمة بكتابه، واتبعها إياه، ولم يجعل لأحد من خـلقه غير رسـوله عليه الصلاة والسلام ” [29].

وقد نقل البيهقي عن الإمام الشافعي عدة نقول في هذا الصدد نختار منها الآتي :

نبذة من كلام أهل العلم في مكانة السنة وثبوت حجيتها

1- قال البيهقي:قال الإمام الشافعي رحمه الله: ” وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أوجه :

أحدها

: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فشرح رسول الله عليه الصلاة والسلام بمثل نص الكتاب.

الثاني

: ما أنزل فيه جملة كتاب، فبين رسول الله عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عاماً أو خاصاً، وكيف أراد أن يأتي به العباد .

الثالث

: ما سنّ رسول الله عليه الصلاة والسلام مما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال جعله الله له بما افتراض من طاعته، وسبق علمه من توفيقه لهن ورضاه أن يسنّ فيما ليس فيه نص كتاب، ومنهم من قال:لم يسنّ سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب كتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة وكذلك ما سنّ في البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله تعالى ذكره قال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[30] وقال:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}[31]، فما أحل وحرم، فإنما بين فيه عن الله، كما بين في الصلاة؛ ومنهم من قال:بل جاءته به رسالة الله، فأثبتت سنته بفرض الله تعالى؛ ومنهم من قال:كل ما سنَّ، وسنته هي الحكمة التي ألقيت في روعه من الله تعالى “. انتهى كلام الشافعي .

وقال الشافعي في موضع آخر:” كل ما سنّ فقد ألزمنا الله تعالى اتباعه، وجعل اتباعه طاعته، والعدول عن اتباعه معصيته، التي لم يعذر بها خلقاً، ولم يجعل له من أتباع سنن نبيه مخرجاً ” .

قال البيهقي:” باب ما أمر الله به من طاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، والبيان أن طـاعته طـاعته “، ثم ساق الآيات التالية:قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}[32]، قال عز من قائل:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[33] إلى غيرها من الآيات البينات التي مضمونها أن طاعة رسوله هي طاعة له تعالى، وأن معصيته معصية له تعالى، ثم أورد البيهقي حديث أبي رافع قال: قال رسول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم:” لا ألقينّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري ممـا أمرت به أو نهيت عنه يقول: لا أدري؟!!! ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه ” أخرجه أبو داود والحاكـم، ومن حديث القدام بن معدي كرب قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام حرّم أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي وغيره، ثم قال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام: ” يوشك أن يقعد رجل على أريكته، يتحدث بحديثي فيقول: بيني و بينكم كتاب اللّه، فما وجدنا فيه من حلال إستحللناه، وما وجدنا فيه من حـرام حرمناه، ألا وإن ما حرّم رسـول اللّه مثل ما حرم اللِّه “[34]، ثم قال البيهقي،: “وهذا خبر من رسول اللّه عليه الصلاة والسلام، عما يكون بعده من ردّ المبتدعة حديثه، فوجد تصديقه فيما بعد “؛ ويقول الإمام البيهقي في هذا الصدد:” ولولا ثبوت الحجة بالسنة، لما قال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام في خطبته بعد تعليم من شهده أمر دينهم: ” ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع “.

ثم أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي:” أن عمران بن حصين رضي الله عنه ذكر الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثوننا بأحاديث لم نجد لها أصلاً في القرآن !! فغضب عمران فقال للرجل: قرأت القرآن كله؟!! قال: نعم. قال: هل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً، ووجدت المغرب ثلاثاً، و الغداة ركعتين، والظهر أربعاً، والعصر أربعاً ؟!! قال: لا. قـال: عمن أخذتم ذلك ؟!! ألستم عنا أخذتموه؟ وأخذناه عن النبي عليه الصلاة والسلام ؟!! ثم قال: أوجدتم في القرآن من كل أربعين شاة، شاة ؟!! وفي كل كذا بعير، كذا،  وفي كل درهم كذا؟!! ” إلى آخر ذلك الحوار الحاد الذي أفحم فيه الصحابي الجليل ذلك السائل، الذي تجرأ فسأل ما ليس له، فاستحق التوبيخ والتأديب وفي الوقت نفسه، يدل على مدى ما يكنه سلفنا الصالح، من تقديرهم للسنة النبوية، والذود عنها، ومحبتها، وما من شك أن محبة سننه من محبته عليه الصلاة والسلام، ومحبته من أسس الإيمان، كما لا يخفى؛ والمحبة الصادقة، إنما تتمثل في الاهتمام بسنته علماً وعملاً، وتقديرها والإحتجاج بها، والذود عنها بكل سلاح  ممكن ومتيسر.

مكانة السنة عند الخلفـاء

السنة النبوية بعد ثبوتها وصحتها، تتمتع عند المسلمين، قـديماً وحديثاً، بما يتمتع به القرآن الكريم من حيث وجوب العمل بها، والرجوع إليها عند التنازع، وترك الرأي من أجلها، فلنستمع قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا المعنى: إذ أخرج البيهقي بسنده عن عمر رضي الله عنه قوله وهو على المنبر:” يا أيها الناس : إن الرأي إنما كان من رسول الله مصيباً، لأن الله تعالى كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف “. لهذا نرى عمر رجاعاً في كل ما يبلغه حديث رسول الله في حادثة ما، ونازلة علمية جديدة، لا علم له فيها بسنة ثابتة، وإذا ثبتت السنة بادر، دون أدنى توقف، إلى العمل بالسنة والرجوع إليها ومن شواهد ما ذكرنا ما يرويه ابن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يقول:” الدية للعاقلة – ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، حتى أخبره الضحاك بن سفيان: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كتب إليه أن يورث امرأة أُشيْم الضبابي، فرجع إليه عمر ” أخرجه أبو داود[35].

ومنها ما أخرجه البيهقي عن طاووس، أن عمر قال:” أذكر الله امرءاً سمع عن النبي عليه الصلاة والسلام في الجنين شيئاً ؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال:” كنت بين جاريتين لي – يعني ضرتين – فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام بغرة “، فقال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، إن كدنا نقضي فيه برأينا “. يقول الإمام الشافعي وهو يعلق على هذه الأخبار، وموقف عمر من السنة: قد رجع عمر عما كان يقضي فيه، لحديث الضحاك بن سفيان، فخالف حكم نفسه، وقال في الجنين، إنه لولم يسمع هذه السنّة، لقضى فيه لغيرها،  وقال:” إن كدنا نقضي فيه برأينا “.

ومنها، ما أخرجه الشيخان من طريق ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عمر خرج إلى الشام، فلما جاء ” سَرْعْ ” [36]، بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:” إذا سمعتم به بأرضٍ، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً “، فرجع عمر من ” سرع ” قال ابن شهاب:” وأخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، أن عمر إنما انصرف بالناس من حديث عبد الرحمن بن عوف “.

ومنها ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:” لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله أخذها من مجوس هجر “.

هذا بعض ما أثر عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وله مواقف أخرى كثيرة ومماثلة، وهو موقف كل صحابي من الخلفاء وغيرهم، وهاك بعض مواقف الخليفة الأول، أبي بكر الصديق، رضي الله عنه :

عن قبيصة بن ذؤيب قال:” جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، لتسأله عن ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لك في كتاب الله شيء، وما أعلم لك في سنة نبي الله شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال له المغيرة بن شعبة: حضرت رسول اللّه عليه الصلاة والسلام، فأعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك ؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال، فأنفذه لها أبو بكر “.

هكذا نتبين من هذا الإستعراض السريع لنصوص أهل العلم ومواقفهم في مختلف العصور، تلك النصوص التي لم نستوعب حتى ثلامَّها؛ نتبين أن الأمة مازالت، ولن تزال متفقة على أن السنة النبوية يجب أن تكون لها مقام معلوم في بيان الأحكام، وأنها حجة قائمة بنفسها، وأنه يجب الرجوع إليها، إذا ثبتت، ولا يجوز الحكم بالاجتهاد والرأي مع ثبوتها، وأنه قد ثبتت بها الأحكام، لولم يرد بها الكتاب، هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنها بيان للقرآن، وتفسير له، ومفصّلة ما أجمل فيه، وهذه المعاني كلها محل إجماع عند من يعتد بأقوالهم، ولا نعلم أحداً خالف هذه القاعدة إلا الزنادقة وغلاة الرافضة الذين لا يتأثر الإجماع بمخالفتهم، بل لا يستشارون إن حضروا، ولا يُسأل عنهم إذا غابوا، لأنهم فارقوا جماعة المسلمين ونابذوهم، واتبعوا غير سبيل المؤمنين، بمواقفهم العدائية لأصحاب رسول الله عليه الصلاة و السلام، ذلك الموقف الذي أدى إلى رد أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام – المصدر الثاني للتشريع الإسلامي- بدعوى أنها رواية قوم كافرين؛ ومن باب ذر الرماد في العيون- عيون السذّج طبعاً- قالوا: نحن نعمل بالقرآن، ونقتصر عليه، وهذا كلام لا ينطلي على أولى النُهى من طلاب العلم، وأهل الإيمان، واللّه الموفق.

لابد من الرجوع إلى السنة لفهم عديد من الأحكام

إن الدارس لكتاب اللّه والسنة النبوية، ولا سيما آيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، ليدرك تمام الإدراك أن للسنة دوراً هاماً، لا يستهان به في بيان الأحكام المجملة في القرآن الكريم، وهي التي تقيد المطلق، وتخصص العام، وتبين الناسخ والمنسوخ.

الأمثـلة

إذا أردنا أن نسوق أمثلة للأحكام التي أجملت في القرآن، وبينتها السنة وفصلتها، وأمثلة أخرى للأحكام التي انفردت بها السنة ولا وجود لها في القرآن، لوجدنا الشيء الكثير في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والحدود وغيرها.

أولاً : باب الطهـارة

من الأحكام التي وردت في القرآن مجملة، وزادتها السنة بياناً وتوضيحاً، الوضوء والتيمم: ذكر الوضوء والتيمم في القرآن بنوع من التفصيل، إذ يقول الله تعالى، مخاطباً المؤمنين، الذين يريدون القيام إلى الصلاة:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [37] .

في هذه الآية الكريمة من سورة المائدة، بيّن اللّه تعالى صفة الوضوء، بنوع من التفصيل، إذ بيّن المغسول والممسوح من أعضاء الوضوء كما بين حد اليدين والرجلين، ثم ذكر التيمم، وأنه في الوجه واليدين دون سائر أعضاء الوضوء، كالرجلين والرأس مثلاً، إلا أن الحاجة إلى بيان السنة لا تزال قائمة، حتى مع هذا البيان الذي ترى:

توضيح ذلك

جاءت السنة بالبيان التالي:

أ- إذا أخذ المتوضئ في الوضوء، يغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يستنشق، ويستنثر، ويتمضمض ثلاث مرات .

ب – بينت السنة بأنه يجوز للمتوضئ أن يغسل الأعضاء المغسولة مرةً مرةً، أو مرتين مرتين، أو ثلاث مرات، وهو الأكمل، كما يجوز له أن يغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها الآخر ثلاثاً.

ج – بنيت السنة الفعلية أن الرأس يمسح مرةً واحدة بكيفية معينة، وموضحة في السنة، بأن يبدأ من مقدم رأسه بيديه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ مرة واحدة، ولا يكرر مسح الرأس، وكذلك الأذنان لا يكرر مسحهما على الصحيح وبينت السنة أيضاً أنه لا يجب أن يأخذ لأذنيه ماءً جديداً، بل  يمسحهما مع الرأس، وبالماء الذي أخذه للرأس، هذه صفة الوضوء على ضوء الكتاب والسنة معاً [38] .

أما التيمم: فقد بين القرآن الكريم أن التيمم إنما هو في الوجه واليدين كما تقدم فيبقى أن نعرف حد اليد هنا، هل هي في التيمم مثلها في الوضوء، فيمسحهما إلى المرفقين؟!! وهل التيمم بضربة واحدة أو بضربتين ؟ تجيب السنة الصحيحة على هذين السؤالين، ولا جواب إلا في السنة !!  إذ ثبتت فيها أن التيمم بضربة واحدة [39] .

كما ثبت فيها أن حد اليدين هنا إلى مفصل الكف، هذا، وقد استطردت الآية الكريمة التي تحدثت عن الوضوء والتيمم، إلى حكم آخر بالمناسبة، وهو الطهارة من الجنابة حيث قالت:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} هكذا أجملت الآية هذه الطهارة، فبينت السنة أنها طهارة بالماء إذا تيسر على الوجه التالي: يغسل أطرافه وما أصابه من القذر، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، فيغسل رأسه ثم يعمم بدنه بالماء ، مع تخليل الشعر الكثيف، ليصل الماء إلى أصول الشعر، هذا إذا كان الماء متيسراً، أما إذا تعذر الماء، أو عند العجز عن استعماله، فيكفيه الصعيد الطيب، بأن يضرب الأرض بيديه، ويمسح وجهه وكفيه مرة واحدة، وكفى؛ هذا هو البيان الذي سجلته السنة، في هذه المسألة، رويناه بالمعنى، طبعاً، وهو مجمل في قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} .

هكذا ننتهي من حديثنا عن الطهارة بإيجاز، وأرجو ألا يكون مخلاً، لننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الصلاة، وما قامت به السنة من البيان والإيضاح والتفصيل، تفصيلاً لم يرد مثله في الكتاب فهاك البيان :

إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ورد ذكرها في القرآن هكذا:{أَقِيمُوا الصَّلاةَ} فكيف إقامتها يا ترى ؟!! فالسنة وحدها هي التي تجيب على هذا السؤال الهام، وقد علمنا في دراسة السنة أن الله أوجب الصلاة على رسوله وأتباعه، ليلة الإسراء والمعراج، حين عرج به عليه الصلاة والسلام، إلى حيث يسمع صريف الأقلام، أقلام الملائكة، وهم يكتبون ما أمروا بكتابته، فهناك خوطب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من قبل ربه ومولاه سبحانه، فأسمعه كلامه سبحانه، إلا أنه لم يمكنه من رؤيته، بل احتجب عنه بنوره سبحانه: ” نور أنّى أراه ” ، ” حجابه النور ” في تلك اللحظة العظيمة، أوجب الله عليه خمسين صلاة، فقبلها رسول الله، عليه الصلاة والسلام – فانصرف لينزل، إلا أن بعض إخوانه من أولى العزم (موسى) عليه السلام أوقفه، ونصحه ليراجع ربه ويسأله التخفيف، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حيث كان عندما خاطبه ربه أولاً، فسأله التخفيف لأمته، فخفف الله عنهم بعض التخفيف، فتكرر السؤال والشفاعة، وتكرر التخفيف، إلى أن خفضت الصلاة من خمسين إلى خمس صلوات، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاد إلى مكة بذلك الإيجاب الإجمالي، فبعث الله إليه رسوله جبرائيل فعلمه أفعال الصلاة، وعدد الركعات، وموضع السر والجهر في القراءة، كما علمه كيف يتطهر لها، هكذا بينت السنّة صفة الصلاة بالإختصار.

الـزكــاة

رابعاً: الزكاة: ولقد ورد في الكتاب العزيز الأمر بالزكاة إجمالاً دون تفصيل، شأن الصلاة، بقوله تعالى:{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فتولت السنة بيان الأموال التي تجب فيها الزكاة وبيان الأنصبة، والمقدار المأخوذ من كل نصاب، إلى آخر البيان الشامل بأطراف هذا الركن العظيم، كما بينت السنة نوعاً من الزكاة يسمى زكاة الفطر أو صدقة الفطر، تؤدى في نهاية رمضان للمستحقين، وهي صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من طعام، أو صاع من إقط . إلخ .

الصيــام

خامساً: الصيام؛ وقد تناول ا لقرآن الكريم هذا الركن بنوع من التفصيل في قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} إلى أن قال{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال في البيان نفسه:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، وبعد هذا التفصيل القرآني، الذي سمعت، تبقى هناك أحكام وردت بها السنة، وانفردت بها منها حكم من واقع امرأته في نهار رمضان وهو صائم، ما الذي عليه ؟!!

منها من أكل وشرب ناسياً في نهار رمضان ماذا يفعل ؟!!

ومنها حكم من لا يدع قول الزور والعمل به، وهو صائم، ما حجم ذنبه وهل صيامه صحيح أم باطل.

وقد بينت السنة، كفارة الذي واقع امرأته في رمضان، كما بينت أن الذي أكل أو شرب ناسياً في رمضان فعليه أن يتم صيامه فإن اللّه هو الذي أطعمه وسقاه، وتصدق عليه صدقة لا تضر صيامه!! والسنة تنص على الذي لا يدع قول الزور والعمل به، وتنادي عليه، بأنه ليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، وقد قالت طائفة من أهل العلم، لا يستهان بها: أن الكذب وما في معناه، يفسد الصيام أخذاً من ظاهر الحديث المشار إليه، وهو حديث متفق على صحته؛ وإن خالفهم في ذلك جمهور أهل العلم، وتفصيل ذلك معروف في موضعه في كتب الفقه، وكل الذي نريد أن نقوله هنا، أن السنة ساهمت في بيان الأحكام حتى في هذا الموضوع الذي فصل فيه القرآن ذلك التفصيل، وهي ما يوضحه قوله عليه الصلاة والسلام:” أوتيت القرآن ومثله معه “، وهي السنة المطهرة، وقوله عليه الصلاة والسلام:” إن ما حرم رسول اللّه، كما حرم اللّه، وما أحله رسول اللّه، كما أحله الله ” أو كما قال عليه الصلاة و السلام.

الحــج

سادساً: الحج، ولو تركنا بحث الصيام لننتقل إلى الحج، لوجدنا القرآن الكريم، يعلن بوجوب الحج بقوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، وهي الآية التي نزل بها وجوب الحج، على الصحيح عند أهل العلم، ولم يكتف القرآن بإعلان وجوب الحج فقط، بل قد ذكرت عدة أحكام من أحكام الحج في سورة البقرة؛ كالإفاضة من عرفة، وذكر الله عند المشعر الحرام، وحكم من تعجل في يومين ومن تأخر إلى اليوم الثالث، والطواف بالبيت العتيق، وغير ذلك، فتولت السنة بيان بقية الأحكام التي لم يرد ذكرها في القرآن، وهي أحكام كثيرة جداً، وردت في أحاديث صحاح في مقدمتها حديث جابر بن عبد الله المعروف لدى طلاب العلم، ذلك الحديث الذي شرح بوضوح صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ألف كثير من أهل العلم على ضوئه رسائل وكتابات في مناسك الحج بعد أن ضموا إليه أحاديث أخرى، اشتملت على أحكام، لا يستغني عنها، وهذا الباب من الأبواب التي استفاضت فيها السنة بالبيان والتوضيح، قولية أو فعلية، كما لا يخفى على طلاب العلم – فبالسنة عرفنا كيف نحرم ؟ وما الذي يحرم علينا بالإحرام ؟، وبها عرفنا كيف نطوف، وبها عرفنا السعي، وكيف نسعى: من أين نبدأ وإلى أين ننتهي ؟ وأين نقف يوم عرفة، وكيف ومتى ؟ إلى آخر أعمال الحج، ولست أدري كيف يحج ( الهوائيون ) الذين سموا أنفسهم (بالقرآنيين) ما أضلهم ! وما أبعدهم عن الصواب !! وسيأتي الحديث معهم إن شاء الله.

البيــوع

سابعاً : البيوع: إن السُنن التي وردت لبيان الأحكام المجملة في القرآن، أو التي انفردت بأحكام لم ترد في القرآن، ليست تنحصر في أبواب العبادات فحسب، بل للسنة دورها المعروف في جميع المباحث الفقهية من المعاملات والجنايات والحدود؛ ففي البيوع نجد الآية الكريمة تقول:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} فإذا راجعنا السنة الصحيحة ، نجد أنواعاً من البيوع المنهي عنها بالسنة المطهرة :

1 –    منها البيع على بيع أخيه والسوم على سوم أخيه المسلم .

2 –    منها النجش [40].

3  –   منها بيع الملامسة .

4 –    منها بيع المنابذة .

5  –   وبيع الحصاة .

6  –  وبيع المزابنة، كما في حديث أنس عند البخاري .

7 –   منها حكم بيع الشاة المصرّاة وما يترتب عليه .

8  –  منها تلقي الركبان .

9  – ومنها بيع حاضر لبادي. وغيرها كثيرة، ومعروفة في مواضعها.

من كتب السنة وكتب الفقه، من البيوع المشتملة على الغرر والجهالة، وكلها محرمة بالسنة، كما وردت في السنة في هذا الباب أحكام أخرى كثيرة، مثل خيار المجلس، وخيار الشرط وغيرهما من الأحكام .

الحــدود

ثامناً: الحدود: أما في هذه الأبواب، فحدث دون تحفظ أو حرج عن السنن التي وردت بأحكام على وجه الانفراد، قبل أن يكون لها ذكر في القرآن، فلنأخذ مثالاً واحداً لنكتفي به، وهو حد السرقة : يقول الله تعالى في بيان هذا الحد في كتابه العزيز:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فلإقامة هذا الحد الذي أمرنا بإقامته، نحتاج إلى معرفة أمرين اثنين :

أ – ما هو المقدار الذي إذا أخذه السارق تقطع يده؟ أي ما هو نصاب السرقة؟ فبينت السنة ذلك؟ إذ يقول الرسول عليه الصلاة والسلام:” لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً “.

ب – ما حد اليد هنا ؟ هل هي من المنكب ؟ هل هي من المرفق ؟ أو هي من مفصل الكف ؟ والسنة الفعلية هي التي تجيب على هذه التساؤلات، إذ كانوا يقطعون من مفصل الكف هذا، ولو أردنا أن نسرد الأحكام التي أجملت في القرآن، وبينتها السنة – أو الأحكام التي انفردت بها السنة في جميع الأبواب الفقهية، لاحتاج المقام إلى سِفْر، فلنكتف بهذه الإشارة، وهي كافية لمعرفة مكانة السنة، ومنزلتها في التشريع الإسلامي، وهو ما أردناه والله ولي التوفيق.

من هم أعداء السنة ؟!!

على الرغم مما ذكر، ومما لم يذكر من الأدلة القطعية من الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة،  وآثار الصحابة، ومن بعدهم من أهل العلم .

على الرغم من تلك الأدلة التي تصرخ بأعلى صوتها، بأن السنة صنو الكتاب، وأن السنة هي الحكمة المذكورة في القرآن في غير ما آية، وأنها من وحي الله، وأن ديننا يؤخذ من الكتاب والسنة معاً لا من كتاب وحده، على الرغم من كل ذلك، لم تسلم السنة من تهجم جهله المتفقهة، وعداء غلاة الرافضة والزنادقة، حيث زعمت الرافضة، وجوب الإستغناء بالقرآن عن السنة في أصول الدين وفروعه والأحكام الشرعية، لأن الأحاديث في زعمهم رواية قوم كفار، وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن النبوة إنما كانت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن جبريل عليه السلام، أخطأ فنزل بها إلى محمد عليه الصلاة والسلام بدل أن ينزل بها إلى علي. وهذا الزعم يعني: أن أمر الوحي كان مضطرباً، ولا يصدر من تنظيم محكم من قبل رب حكيم سبحانه، وإنما يتخبط فيه ملك الوحي (جبريل)، وأن ملك الوحي نفسه ليس بمعصوم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ومنهم من يقر للنبي – عليه الصلاة والسلام – بالنبوة، ولكنه يقول: إن الخلافة كانت حقاً لعلي – رضي الله عنه – فلما عدل بها الصحابة إلى أبي بكر رضي الله عنه، كفروا بذلك – في زعمهم – حيث جاروا وظلموا- في زعمهم- بعدولهم بالحق عن مستحقه، وبالتالي كفروا علياً، لعدم طلبه حقه، فبنوا على ذلك رد الأحاديث كلها، لأنها- عندهم في زعمهم – رواية قوم كفار، كما تقدم وهذه القاعدة الكفرية الواهية في نفس الوقت، هي أساسهم في رد أحاديث رسول اللّه عليه الصلاة والسلام، وأخيراً أطلق أتباع هؤلاء من المتأخرين على أنفسهم بأنهم (القرآنيون) أي العاملون بالقرآن، المستغنون به عن السنة، هذا تفسير كلمة (القرآنيون) حسب (رغبتهم)، ولكن التفسير المطابق لواقعهم، أنهم المخالفون للقرآن، المتبعون للهوى، وهذا أشبه بإطلاق كلمة (القدرية) على نفاة القدر، لأنهم في الواقع مخالفون للقرآن، خارجون عليه، كما خرجوا على السنة، لأن القرآن يدعوا الناس إلى الأخذ بالسنة إيجاباً وسلباً، إذ يقول الله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، ولا يتم الإيمان بالقرآن، إلا بالإيمان الصادق بمن أنزل عليه القرآن، والإيمان به إنما يعني تصديقه في أخباره إتباع أمره ونهيه. وقد ذكر الإمام السيوطي في رسالته اللطيفة ( مفتاح الجنة في الإحتجاج بالسنة )، قاعدتهم هذه ثم قال مستهجناً ومستقبحاً:” ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد، الذي كان الناس في راحة منه من إعصار ” إلى أن قال:” وقد كان أهل هذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة، وتصدى الأئمة وأصحابهم للرد عليهم في دروسهم ومناظراتهم وتصنيفاتهم ” [41]، ثم ساق من نصوص كلامهم الشيء الكثير، وقد سبق أن نقلنا من كلام أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، ما يكفي لمعرفة موقف أهل السنة من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو يتضمن تزييف كلام أهل البدع والهوى، ومن أراد المزيد فعليه بالرسالة المشار إليها، وقبلها رسالة الإمام الشافعي المعروفة، وغيرهما من المراجع المعتبرة في هذا الباب ولو أخذنا نستعرض الأبواب الفقهية التي تقوم بتنظيم حياة الناس في معاشهم مثل أبواب البيوع التي مررنا بها مراً سريعاً، بذكر بعض الأمثلة منها، ومثل باب التفليس والحجر، وباب الصلح والحوالة والضمان، وبحوث الشركات والوكالة والشفعة والقرض، ومبحث المساقاة والإجارة والهبة والعارية وغيرها، من أبواب الفقه، لو استعرضنا السنن التي تنبني عليها هذه الأبواب ومسائلها، لوجدنا أن السنة هي التي تنظم للناس حياتهم اليومية، لأن جميع المسائل الفقهية التي يتعامل بها الناس في معاشهم، ويرجعون إليها في محاكمهم،  فمستندها إنما يكون إلى الكتاب أو السنة معاً، ولا يصح حكم أو قضاء لا مستند له منهما. أما الكتاب، فأكثر الأحكام  التي وردت فيه من الأبواب المشار إليها، إنما كانت مجملة، وفصلتها السنة، وقد تكون أكثر تلك الأحكام لم يرد بها نص في الكتاب، وإنها انفردت بها السنة، كما أوضحنا فيما سبق، فكيف يزعم زاعم بعد هذا كله، الإستغناء عن السنة ؟‍‍‍‍‍‍‍!! ودعوى الإستغناء عن السنة هي في واقعها محاولة للإستغناء عن الإسلام، بأسلوب ملتوٍ، غير صريح، ويؤكد هذا ما سبق أن ذكرنا من أن أصل هذه المحاولة من الزنادقة، وغلاة الرافضة، الذين صرحوا بتكفير الصحابة، الذين هم سند هذا الدين، والذين نطق بهم القرآن وأثنى عليهم، من المهاجرين والأنصار؛ وتكفير هؤلاء السادة، إنما يعني تكذيب الله سبحانه في إخباره أنه رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأنههم اتبعوا رسوله، النبي الأمي في ساعة العسرة.

كما يتضمن تكذيب خبر الرسول عليه الصلاة والسلام في ثنائه عليهم، وشهادته لمجموعة كبير منهم أنهم من أهل الجنة، ومن تجرأ على مثل هذا التصرف، ووصل إلى هذه الدرجة، فعليه أن يراجع الإسلام من جديد، لأنه قطع علاقته بالإسلام بهذا التصرف، الذي يعتبر ردة عن الإسلام، والله المستعان.

وقد حاول هؤلاء الزنادقة، إزالة السنة من الوجود، والقضاء عليها لو استطاعوا، أن يجعلوا وجودها وجوداً شكلياً فاقداً للقيمة، إلا أنهم لم يستطيعوا أن ينالوا منها شيئاً، وانقلبوا خاسرين ومهزومين، مثلهم كمثل الذي يحاول قلع جبل أحد مثلاً، فيحوم حوله، وفي سفحه، وينقل من أحجاره حجراً حجراً، ظناً منه أنه بصنيعه هذا يستطيع قلع الجبل وإزالته من مكانه، أو كالذي يغترف من البحر اغترافاً بيده أو بدلوه، محاولاً بذلك أن ينفد البحر أو ينقص؛ وما من شك أن هذا المسكين سوف تنتهي أوقاته ويحل أجله المحدود، والجبل جبل، والبحر بحر بل يبقى البحر ثابتاً في مكانه، يغوصه الغواصون من رجال هذا الشأن، ليخرجوا للناس اللآلئ والدرر من المسائل العلمية النافعة، كما يبقى الجبل ثابتاً وشامخاً، يصعده أصحاب الخبرة، ويترددون بين شعابه، ليعثروا على ما قد يخفى على غيرهم بين تلك الشعاب المتنوعة، التي لا يسلكها إلا الخواص، ليخرجوا بالمسائل الدقيقة، التي لا يفطن لها غيرهم – إذ لكل ميدان رجال .

هذه نهاية محاولة الرافضة ومن يشابههم ويسير في ركابهم، وقد أراد المنكرون لأخبار الرسول عليه الصلاة والسلام، بناء على القاعدة الكفرية السابقة، أن يجدوا ما يتعلقون به أمام خصومهم من أهل السنة، وذهبوا يبحثون عن الأخبار والأحاديث التي تؤيد ما ذهبوا إليه، من قريب أو بعيد، وفي أثناء بحثهم، عثروا على كلام باطل بطلان مذهبهم ونصّه هكذا:” ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فأني لم أقله “.

وطاروا به فرحاً، ولكنهم لم يستطيعوا أ ن ينفلتوا بحديثهم هذا من أيدي حراس السنة ولم تنم عنهم تلكم العيون الساهرة، حفظاً على السنة، بل عثروا على حديثهم ذاك، فأعلنوا أنه من أباطيلهم ودسائسهم، حتى عرفه الناس، فسجلوه في كتبهم، وأجروا له عمليتهم الخاصة، وفندوه وجرحوه، وعرّوه، حتى انكشف حاله، فلله الحمد والمنة.

قال السيوطي في رسالته اللطيفة ( مفتاح الجنة ): ثم قال البيهقي:” باب بيان بطلان ما يحتج به بعض من رد السنة، من الأخبار التي رواها بعض الضعفاء، في عرض السنة على القرآن – قال الشافعي – رحمه الله : احتج عليّ بعض من ردّ الأخبار، بما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:” ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فأنا لم أقله ” فقلت له : ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء  ” ا. هـ .

قال البيهقي:” أشار الإمام الشافعي إلى ما رواه خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفر عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه عاد اليهود فسألهم، فحدثوه حتى كذبوا على عيسى عليه السلام، فصعد النبي المنبر،  فخطب الناس:فقال:” إن الحديث، سيفشوا عني ، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عني ” قال البيهقي: خالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابي، فالحديث منقطع “؛ وقال الشافعي:” ليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام يبين معنى ما أراد خاصاً أو عاماً، وناسخاً ومنسوخاً، ثم يلتزم الناس ما سن بفرض الله، ممن قيل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعن الله قبل “، ثم ذكر السيوطي بقية كلام البيهقي حول الحديث، والله أعلم .

تقديس الآراء أدى إلى الإعراض عن السنة

وإذا كان الحامل للرافضة، والمخدوعين بهم على ذلك الموقف العدائي، هو ما تكتنفه نفوسهم الخبيثة من الأحقاد على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والظن السيئ برسول الله عليه الصلاة والسلام، وعدم الإيمان به، الإيمان الصادق واعتقادهم في الملائكة عدم العصمة، وأخيراً عدم تقديرهم لرب العالمين حق قدره، إذ كان الحامل لهم هو هذه المعاني – فيا ترى ما الذي حمل بعض المتفقهة على هذا الجفاء والإعراض عن السنة، والوقوف منها موقف المستغني عنها ؟!!

الجواب: الذي يبدو لي أن الذي حمل القوم على ذلك هو الغلو في تقديس آراء الرجال، واعتبارها ديناً يدان به لرب العالمين، وقد أدى بهم هذا الغلو إلى إساءة الظن بنصوص الكتاب والسنة، فزعموا أنها إنما تقرأ وتسمع لأجل التبرك بألفاظها فقط، لا للإهتداء بها بتطبيق الأحكام التي اشتملت عليها !!

صحيح أنها نصوص مباركة حقاً، فكتاب الله كتاب مبارك { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}[42] .

وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، مباركة أيضاً، وإذا ما تعلم المسلمون كتاب ربهم وسنة نبيهم، وعملوا بهما، محللين حلالهما، محرمين حرامهما، ومطبقين أحكامهما على حياتهم العامة والخاصة حصلت  لهم بركة لا يتوقعونها، وقد حصلت لسلفهم يوم كانوا مؤمنين بهما حق الإيمان، أجل لو فَعَل المسلمون اليوم ذلك، لتغيرت حياتهم الجاهلية هذه، إلى حياة إسلامية مباركة، حياة الأمن والرفاهية، حياة الرحمة، يتمتعون فيها بالهيبة والمنعة والكرامة، يستردون فيها كل ما سلبوا من حقوقهم، المادية والمعنوية وتعود إليهم وحدة الصف، وينالون فيها النصر والغلبة، هذه هي البركة التي تتوقع من الإيمان بالكتاب والسنة، أما البركة التي معناها حصول الرزق الواسع للمنزل الذي يقرأ فيه القرآن الكريم، وصحيح البخاري، وأن ذلك المنزل سوف يسلم من الحريق، وتسلط العدو، ومفاجآت الثعابين وغير ذلك من حوادث الأيام، فتقول لهم: إن القرآن لم ينزل لهذا الغرض، ولا السنة أوحت إلى النبي بهذا الغرض، وعلى رسلكم – أيها القوم – !! وفي زعم هؤلاء (البركيِّين) : إن النصوص معزولة عن حياة المسلمين العامة والخاصة، وأن مصادر الأحكام هي آراء الرجال، وإليها المرجع، فعلى أهل كل مذهب أن يراجعوا آراء علماء مذهبهم، وإذا أرادوا معرفة حكم ما، وأن الدين كله هو ما في الكتب، التي هي عبارة عن ( مجمع ) آراء الرجال واجتهاداتهم واستحساناتهم وأقيستهم، وقد تقرأ بعض تلك الكتب، التي قد يعتبرها بعضهم ( موسوعة علمية ) من ألفها إلى يائها، ولا تكاد تمر بحديث واحد أو آية واحدة يستشهد بها المؤلف على حكم من الأحكام .

قد يتهمني البعض بالمبالغة، إذا قلت إن هذا التعصب للمذاهب، هو الذي حال بين كثير من المسلمين وبين فهم السنة، كما يجب، وهو من أسباب تفوق المسلمين وتشتتهم، وبالتالي فهو من أسباب تخلف المسلمين، وتسلط أعدائهم عليهم، لأنهم خالفوا كتاب ربهم، الذي هو عزهم، وهو يناديهم بقوله:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}[43] حتى أصبحت الأمة الواحدة، كأصحاب ملل مختلفة، كل حزب بما لديهم فرحون، وقد صار لهذا التفرق الديني – إن صحّ التعبير – أثره السيئ في حياة الأمة الإجتماعية والسياسية، وإن ما تعيشه أمتنا – اليوم – من هذا التشتت الذي لم يسبق له مثيل، ومن التخاذل أمام أعدائهم، والهزائم المتلاحقة، والفجر عن إيجاد وحدة إسلامية، تجمع شتات هذه الأمة، كل ذلك من شؤم التعصب المذموم، الممزق للأمة، والله المستعان.

وقد تحدث غير واحد من أئمة المسلمين، عن أضرار التعصب المذهبي، وأعراض كثير من الناس بسببه، عن الكتاب والسنة، والإستغناء عنهما بالآراء، واخترت لحديثي هذا نبذة من كلام الإمام ابن قيم الجوزية، ثم اتبعه إن شاء الله بكلام شيخه، شيخ الإسـلام ابن تيمية رحمهما الله .

قال الإمام ابن القيم في بعض كتبه:” لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الإكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء، والقياس، والإستحسان وأقوال المشايخ، عرض لهم من ذلك، فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى ربى فيها الصغير، وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكراً، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى؛ والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور، وأهلها هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها “. ثم قال رحمه الله:” فإذا رأيت دولة هؤلاء قد أقبلت، ورايتها قد نصبت، وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض – والله – خير من ظهرها، وقلل الجبال خير من السهول، ومخالطة الوحوش أسلم من مخالطة الناس “. ثم قال وهو ينصح لمن وقع في هذا الأمر: “اشتر نفسك اليوم، فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير، ذلك يوم التغابن:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}[44] ثم أردف قائلاً:” العامل بغير إخلاص، ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه” ثم قال: في رصف المتعصبين:” وأكثر ما عندهم كلام وآراء خرص، والعلم وراء الكلام، كما قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم ؟!! فقال: الكلام اليوم أكثر، والعلم فيما تقدم أكثر ففرّق هذا الراسخ بين العلم وبين الكلام، فالكتب كثيرة جداً، والكلام والجدال والمقدرات الذهنية كثيرة، والعلم بمعزل عن أكثرها، وهو ما جاء به الرسول عن الله، قال الله تعالى:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}[45] وقال:{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}[46] وقال في القرآن:{أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ}[47] أي ومعه علمه “؛ ثم واصل الإمام كلامه قائلاً:” ولما بعد العهد بهذا العلم، آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس الأفكار، وسوانح الخواطر والآراء، علماً، ووضعوا فيها الكتب، واتفقوا فيها الأنفاس، فضيعوا فيها الزمان، وملؤوا بها الصحف مداداً، والقلوب سواداً، حتى صرح كثير منهم، أنه ليس في القرآن والسنة علم، وأن أدلتهما لفظية لا تفيد يقيناً ولا علماً، وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم، وأذن بها بين أظهرهم، حتى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القلوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحية من قشرتها، والثوب من لابسه ” إلى أن قال:” وقال لي بعض أئمة هؤلاء: إنما نسمع الحديث لأجل البركة، لا نستفيد منه العلم، لأن غيرنا قد كفانا هذه المؤونة، فعمدتنا على ما فهموه وقرروه، ولا شك أن من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائل:

نزلـوا بمكـة فـي قبـائل هاشـم

ونزلـت بالبطحـاء أبعـد مـنزل

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في وصف هؤلاء:” إنهم طافوا على أبواب المذاهب، ففازوا  بأخس المطلب، ويكفيك دليلاً على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله ما ترى من التناقض والإختلاف، ومصادمة بعضه لبعض؛ قال تعالى:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}[48] وهذا يدل على أن ما كان من عنده سبحانه لا يختلف،وأن ما اختلف وتناقض، فليس من عنده، وكيف تكون الآراء والخيالات، وسوانح الأفكار ديناً يدان به، ويحكم به على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، سبحانه هذا بهتان عظيم وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه، غير علوم هؤلاء المختلفين الخراصين كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبد الله البخاري قال:” كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأي ولا قياس ا.هـ.” كلام شيخ الإسلام .

وهذا لا يعني إنكار القياس كلياً، فمثل قياس العلة أمر لا مفر منه، والبحث معروف في موضعه.

وبعد؛ هذا ما استحسنت أن أسجله في هذا المقام من كلام أهل العلم، للإستدلال على أهمية المقام وهو مقام جد خطير، كما ترى إذا انشغل جمهور المسلمين اليوم بتلكم الآراء تاركين نصوص الكتاب والسنة وراءهم مهجورة، وكأني بقائل يقول: إن المسلمين لم يهجروا كتاب ربهم ولم يهملوه، بل قد انتشرت في الآونة الأخيرة إذاعة القرآن الكريم في عواصم المسلمين، كما انتشرت مدارس تحفيظ القرآن في أكثر المدن، بل خصصت الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة كلية للقرآن وعلومه المتنوعة، فكيف يقال: إن المسلمين قد هجروا القرآن، والحالة هذه ؟!!

الجواب: إن ما ذكر واقع وهو عمل نافع جليل إن شاء الله، إلا أن المقدار ليس هو كل ما يجب على المسلمين نحو القرآن، بل كل ما ذكر إنما هي وسائل، ولا ينبغي الوقوف عند الوسائل، قبل الوصول إلى الغاية، لأن الغرض من إذاعة القرآن وحفظه ودراسة علومه هو المحافظة عليه كدستور للأمة يجب الحفاظ عليه، كما يجب الرجوع إليه في جميع مجالات الحياة، ولا يكفي أبداً أن يحفظ ويذاع فقط دون أن يتحاكم إليه في أي شيء، بل يجب أن يكون هو الحكم في كل شيء. واعتقاد خلاف هذا خطأ أو مغالطة، لأن عدم الإحتكام إليه مع الإحتكام غير ما أنزل الله يعتبر كفراً بالقرآن، وهجراً له؛ وهجر القرآن أنواع كثيرة، مع التفاوت بينها، يقول ابن القيم [49] :” هجر القرآن أنواع خمسة :

أحدهما

: هجر سماعه، والإيمان به، والإصغاء إليه.

والثاني

: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه إن قرأه وآمن به.

والثالث

: هجر التحكيم والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد العلم اليقيني وأن أدلته لفظية لا يحصل لها العلم.

والرابع

: هجر تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

والخامس

: هجر الإستشفاء به والتداوي به في جميع أمراض القلوب، وأدرانها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به.

وكل هذا داخل في قوله تعالى:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً}[50]، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض ” ا.هـ.

هذا ما عنيناه بهجر المسلمين كتاب ربهم وإهمالهم إياه، وكلام ابن القيم واضح شامل، ولا شك أن أخطر أنواع هجر القرآن، هو هجر تحكيمه والإستغناء بغيره، واعتقاد أنه غير صالح لحل مشكلات العصر، وما في هذا المعنى من العبارات الإلحادية التي يطلقها بعض الملحدين اليوم والتي تبني عن عدم الإيمان بالقرآن، وعدم الإعتبار به، إلا أنه آيات تتلى في بعض المناسبات وتأكيداً لما ذكرت، أنقل لكم ما قاله عن شريعة الإسلام مسئول عربي بدرجة ( وزير ) عندما سئل السؤال الآتي:

” ما هو موقف حزب البعث من المنطق ذي الروح الإسلامية الذي تعرضه بعض الدول العربية المحافظة في نظرها للمشكلات العربية اليوم ؟!! أما زال الحزب محافظاً على نظرته العلمانية تجاهها ؟!!”.

هكذا نص السؤال .

قال المسئول جواباً على هذا السؤال:” نحن نختلف مع الذين يظنون أن في الإسلام الخلاص من المآزق التي تقع فيها الأمة العربية، أما أولئك الذين يعملون على تنشيطه للحركات الإسلامية، والشريعة القرآنية فهم يحملون نظرة لا تتوافق معنا، ونحنُ لا نعتقد بهذه الأشياء ونحن بالتأكيد حزب علماني ” إلى أن قال:” وفي هذه المرحلة التاريخية التي نعيشها، فنحن نعتقد أنه يجب علينا إيجاد طرق علمية للتطبيق أكثر من الأديان “[51] وبعد .

هذا ما آلت إليه قيادات الأمة الإسلامية في كثير من البلدان، وهو يحتم على طلاب العلم أن يكرسوا جهودهم في دراسة الكتاب السنة، ليسلحوا أنفسهم بسلاح العلم والمعرفة، ويؤهلوا بذلك أنفسهم للقيادة، بعد إتمام دراستهم، هادفين إصلاح ما فسد من أمر هذه الأمة المسكينة، التي وقعت فريسة الإلحاد الشيوعي، الذي أخذ يحلق بها من جميع الجهات، ليفسد عليها أمر دينها ويبعدها عن إسلامها وقرآنها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، كما يجب عليهم أن يهدفوا إلى تغيير ذلك المفهوم السائد لدى كثير من الأوساط من أن دراسة شريعة القرآن، لا تؤهل الإنسان للقيادة والإصلاح، وحل مشكلات العصر وأن الذي يتولى القيادة، يشترط فيه أن يكون ( واشنطونيّ ) الفكر أو ( لندنيه )، وأن يكون ( باريسيّ )،  الأخلاق أو ( رومانيّها ) وأخيراً أن يكون ( موسكوي ) العقيدة أو (بكينيّها)، وعلى طلاب العلم الديني أن يغيروا هذا التصور الملحد، ليبينوا للناس أن الدارس للإسلام وشريعة القرآن صالح للقيادة، بل يشترط فيمن يتولى قيادة الأمة الإسلامية أن يكون بعيداً من تلك المواصفات السابقة الذكر، بل يجب أن يؤمن بالله ربّاً ومعبوداً وبالإسلام ديناً ومنهجاً، وبالقرآن دستوراً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً وإماماً وأُسوة، وأن يكون ذا بصيرة وفقه في الدين، محمديّ الأخلاق والسلوك والعقيدة، وبالله التوفيق .

إذا درسنا الكتاب والسنة بهذه الهمة، وعلم الله منا الصدق والإخلاص في ذلك سوف يوفقنا الله،  ويكلل عملنا بالنجاح بإذنه، لأن الأمر كله له، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا الضرب من الدراسة، نوع من الجهاد، فلير الله منكم الإخلاص، والصدق في جهادكم أيها الطلبة:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[52]؛ وكل الذي أريد أن أصل إليه أن تعلموا أن هدف الأهداف من دراسة هذا المنهج الذي تدرسونه في جامعتكم هذه، أن تخرجوا إلى العالم بعد إتمام دراستكم، لتساهموا في حركة البناء والإصلاح، لإيجاد مجمع مبني على أسس ثابتة، مأخوذة من دراسة الإسلام العظيم، وهي :

1- الرضى بالله رباً ومعبوداً، وحده الذي له الحكم وحده، والحكم حكمه، والأمر أمره، والخلق خلقه.

2- الرضى بالإسلام ديناً ومنهجاً وطريقاً إلى العزة والكرامة، وهو الذي فيه الخلاص من جميع المشكلات المعاصرة، رغم أنوف أولئك الذين زعموا أن الإسلام ليس فيه الخلاص من المشكلات، والخروج من المآزق:{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}[53].

3- والرضى بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً وقدوة وأُسوة وإماماً للمتقين، وهم المتبعون له.

4- والرضى بالقرآن الكريم دستوراً ومنهجاً للحياة الكريمة، حياة العز والشرف.

5- والرضي بالسنة النبوية كمصدر ثان من مصادر التشريع الإسلامي، يتوقف المصدر الأول على بيانه، في كثير من مواده وأحكامه.

إن المجتمع الذي هذه أسس بنائه، هو المجتمع الإسلامي، وكل مجتمع يتخلف في بنائه مادة من هذه المواد وتغيب، فهو مجتمع جاهلي، رضي أو أبى؛ والله الهادي وحده .

والله ولي التوفيـق .


[1] الأعراف ، آية : (59) .

[2] الحجر، آية: (9).

[3] النحل، آية : (44) .

[4] محمد ، آية : (33) .

[5] النساء ، آية : (65) .

[6] النور ، آية (63) .

[7] رواه الإمام أحمد ، ومسلم عن عائشة رضي الله عنها .

[8] رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جرير .

[9] رواه الإمام البخاري .

[10] الحديث والمحدثون – بتصرف .

[11] النجم ، آية : ( 3 ، 4 ) .

[12] أبو داود ، والترمذي ، وغيرهما .

[13] النحل ، آية : (68) .

[14] الشورى ، آية : (51) .

[15]طـه ، آية : (12،11) .

[16] الأعراف ، آية : (143) .

[17]  آل عمران ، آية : (31) .

[18]  المائدة ، آية : (67) .

[19]  النور ، آية : (54) .

[20]  النحل ، آية : (125) .

[21] الأنبياء ، آية : (107) .

[22] الحجر ، آية : (9) .

[23] من تصحيح المفاهيم : محمد أمان .

[24] البقرة ، آية : (29) .

[25] آل عمران ، آية : (164) .

[26] النساء ، آية : (113) .

[27] البقرة ، آية : (231) .

[28] الأحزاب ، آية : (34) .

[29] مفتاح الجنة للسيوطي .

[30] النساء ، آية : (29) .

[31] البقرة ، آية : (27) .

[32] الفتح ، آية : (10) .

[33] النساء ، آية : (80) .

[34] رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن المقدام .

[35] مفتاح الجنة للسيوطي .

[36] قرية كانت بوادي تبوك في طريق الشام ( مفتاح الجنة للسيوطي ) .

[37] سورة المائدة الآية 6 .

[38] صفة الوضوء في البخاري .

[39] قصة عمر بن الخطاب وعمار رضي الله عنهما .

[40] هو أن تزيد في السلعة لتوقع غيرك، وليس لك حاجة في الشراء .

[41] مفتاح الجنة للسيوطي .

[42] الأنعام ، آية (92) .

[43] آل عمران ، آية : (103) .

[44] الفرقان ، آية : (27) .

[45] آل عمران ، آية : (61) .

[46] البقرة ، آية : (145) .

[47] النساء ، آية : (166) .

[48] النساء ، آية : (82) .

[49] الفوائد .

[50] الفرقان ، آية : (30) .

[51] مجلة الجامعة الإسلامية – العدد الأول – العام 11 .

[52] العنكبوت ، آية : (69) .

[53] الكهف ، آية : (5) .

من تفسير سورة النساء للشيخ علي ناصر الفقيهي

•June 23, 2009 • Leave a Comment
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
شريط مفرّغ للشيخ علي ناصر فقيهي حفظة الله

تفسير الآيات من 137 إلى 141 من سورة النساء.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمداً وعلى آله وصحبه أجمعين.
الآية التي قبلها كان ختامها  (وَمَن يَكْفُرْ بِاْللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالَاً بَعِيداً ) الآية 136 النساء. التنبيه على ما في هذه الآية على أن من كفر بواحدة من هذه الأشياء لا يتم إيمانه لأنها كلها مترابطة  (وَمَن يَكْفُرْ بِاْللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِر ِ) أيُ واحداً يكْفر بأي نوع من هذه الأنواع فهو كافر ولا يشترط أن الكفر لا يكون إلا إذا كفر بهذه الأشياء جميعها.
الآية التالية يقول الله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِين ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراًَ لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرِ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلَا ) هذه الآية تبين أن هذا التكرار من هذا الشخص أي آمن بالله ثم أرتد ثم آمن مرة أخرى ثم أرتد وهكذا ازداد في كفره فمثل هؤلاء أي من اتصفوا بهذه الصفات الله عز وجل لا يغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا لأنهم استمروا على كفرهم إلى أن لقوا الله عز وجل والآية تبين أيضاً ويفهم منها على أن هذا الذي آمن ثم كفر إذا رجع عن كفره فالله عز وجل يقبل منه ولكن لتعبير ثم ازدادوا كفراً يقصد به أنه استمر على كفره والذي يستمر على كفره ويموت الله عز وجل أولاً لا يهديه في الدنيا لأن هذا صار جزاءً له لأن الله عز وجل يقول في كتابه ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم )  وهذا جزاءاً وفاقا لأنه كفر بالله عز وجل وكرر ذلك الكفر إذاً هذا هدايته مستبعدة جداً لأنه مستمر على مثل هذا العمل ، هذا أيضاً يأخذ منه كما قلنا على أنه إذا لم يزداد في الكفر أي لم يستمر عليه وتاب ورجع إلى الله فالله عز وجل يقبل توبته ولهذا الكافر يستمر على كفره إلى آخر لحظة من حياته ثم يوفق فيسلم فهذا الإسلام يهدم ما قبله ، وحوادث حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض الذين تأخروا عن الإسلام إلى آخر لحظة من حياتهم فدخلوا في الإسلام ثم جاهدوا ومنهم من جاهد وقُتل فدخل الجنة ولم يصلي لله ركْعة فرحمة الله واسعة فالكافر إذا عاد إلى الله عز وجل وتاب فالله عز وجل يقبل توبته هذا ينطبق على أهل المعاصي فإذا كان هذا في الكفر أي أن الكافر إذا كفر ثم تاب ثم كفر ثم تاب فالله يقبل توبته فكذلك صاحب المعصية إذا ارتكب معصية كبيرة من الكبائر ثم تاب منها ثم رجع إليها مرة أخرى أيضاً يشمله ذلك لأن التوبة مقبولة منه ولهذا جاء في الحديث الصحيح في صحيح مسلم ،(( أن العبد إذا ارتكب ذنب ثم تاب ، الله عز وجل يقول : علم عبدي أن له رب يغفر الذنب ويأخذ بالذنب إذا استمر عليه ويغفره )) التكرار .. الشيطان قد يدخل إلى الإنسان ويقول له ما دمت شربت الخمر ثم تبت منه ثم رجعت شربت مرة أخرى فأنت أستمر في الشرب ما فيه إحراج عاد . لأنه يريد من الشخص أن يستمر على معاصيه فيقول هذا كأنه ينصحه ويقول ـ وهذا من باب الاستهزاء ـ تشرب ثم تتوب ثم تشرب ثم تتوب فعليك أن تستمر.
إذاً العاصي والذي يقع في المعصية وخير الناس الذين يتوبون من معاصيهم (( خير الخطاءين التوابون )) فإذا وقع في معصية فعليه أن يتوب ولا ييئس من رحمة الله عز وجل ثم أخبر الله عز وجل في الآية التالية وهي قوله تبارك وتعالى :  وبشر المنافقين بأن لهم عذاب أليما  البشارة تكون في الخير وتكون في الشر ولكن في الشر تكون مقيدة أما البشارة في الخير فهي مطلقة ، هنا البشارة للمنافقين بأي بشارة ؟! بأسوأ بشارة لأن الله عز وجل يقول : ( وبشر المنافقين بأن لهم عذاب أليما ) لماذا وما هو السبب وما هي أعمالهم التي جعلتهم يستحقون هذا العذاب الأليم قال الله عز وجل :  الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين  وهذه عادة المنافقين ، ثم قال : ( أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا )  العزة هي الغلبة وهذه العزة هي لله ولرسوله وللمؤمنين أما هؤلاء وهم الكفار فليست لهم العزة وإنما قد يحدث يعني في بعض الأوقات أن تكون الدائلة للكفار على المسلمين وهذا ابتلاء من الله عز وجل وامتحان لأنهم قد يحدث منهم بعض المخالفة فالله عز وجل يؤدبه أما المنافقون حينما يشاهدون ما عند الكفار لأن المنافق معناه في هذه الآية : الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر يعلن إسلامه بلسانه ولكن يبطن الكفر أي لا يؤمن بالله ولا برسوله صلى الله عليه وسلم ولما جاء به عليه الصلاة والسلام وإنما يظهرون هذا للناس حمايةً لأنفسهم وأموالهم لأنهم يعلمون على أن من قال لا إله إلا الله أي من شهد لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة حرم دمه وماله وعرضه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله )) ثم ذكر بقية الأحكام أركان الإسلام و غيرها من الأمور الأخرى فالمنافقون وقد برزوا هنا بالمدينة حينما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وهنا ينبغي أن نعلم على أن أهل مكة وهم المهاجرون الذين هاجروا ـ الله عز وجل وصفهم بالصدق ولم يكن في مكة مسلم أسلم نفاقاً وإنما أسلموا من قلوبهم لأنهم يتعرضون للتعذيب وللتنكيل من الكفار ومع ذلك يثبتون على أيمانهم فلما جاءوا للمدينة وكان في المدينة من يطمع أن يكون هو ملك أو تكون السلطة له ولكن لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم تبدل الحال فأصبح الناس كلهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا به وأصبحوا مسلمين.
الذين كانوا يطمعون في بعض الأمور وفاتت عليهم لم يستطيعوا أن يبقوا على ما هم عليه ولكن أسلموا نفاقاً ولهذا قال الله عز وجل مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) هم ليسوا كاذبين في أنك رسول الله ، أنت رسول الله أي ما نطقوا به بألسنتهم صحيح ثم الله عز وجل يشهد على أنهم كاذبون ما هو الكذب الذي ارتكبوه ؟ الكذب هو الذي في قلوبهم لأنهم لا يؤمنوا بما نطقوا به بل يشهدون على الرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة ويعتقدون على أنه ليس رسول ويلجئون إلى جماعتهم ويضرون بالمسلمين .
الله عز وجل يبين في هذه الآية المنافقون الذين يتخذون الكفار أولياء من دون الله ويبتغون عندهم العزة ، الله أخبر أن العزة كلها له ولرسوله وللمؤمنين والعزة كما قلنا هي : الغلبة والنصر ، فهذه كلها لله ولرسوله وللمؤمنين لو حدث في بعض الأوقات أن الكفار انتصروا على المسلمين في الظاهر فهذا ما هو إلا بسبب يحدث من المسلمين ، وقصة أحد وما حدث فيها أكبر دليل وشاهد يبين على أن المخالفة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم الله عز وجل يؤدب عبادة المؤمنين حتى يرجعوا إليه ويقلعوا عما ارتكبوه في غزوة أحد ، رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو ومن معه من الجيش ألف فلما خرجوا تخلف عبدالله بن أبي بثلاثمائة ولم يبقى إلا سبعمائة وهو منافق وهو الذي كان ينتظر أن يتوج وأن يصبح ملك ولكن فاته ذلك ، كفار قريش ثلاثة آلاف الذين جاءوا من مكة وجاءوا يتحرقون على قتلاهم الذين قُتلوا في بدر وقد جمعوا العدد الكبير من الجيش الذين ينتصرون بهم وكانت عندهم الخيل وعندهم العدة الكاملة ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه سبعمائة فحينما جاءوا إلى المدينة أستشار الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابة هل يخرج لملاقاتهم أو يبقى في المدينة حتى إذا دخلوا يكونوا أهل المدينة جميعاً يقاتلونهم من الشرفات في الأزقة في الطرق ولكن الذين ما حضروا بدر كانوا يتمنون لقاء العدو فألحوا على الرسول عليه الصلاة والسلام على الخروج ثم بعد ذلك لبس الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته ، درعه ، سيفه ، استعد فلما خرج الجماعة ندموا قالوا كأننا أحرجنا الرسول عليه الصلاة والسلام والكبار العقلاء تكلموا مع الشباب الذين عندهم النشاط وعندهم الحماس فقالوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام : إذا أردت أن تبقى تبقى . فقال : لا ، ما كان لنبي إذا استعد ، إذا لبس ، إذا خرج لملاقاة عدوه أن يضع سلاحه حتى يقضي الله بينه وبين خصومه فخرجوا .
الشاهد الذي نريد أن نصل إليه أن الرسول لما وصل إلى أحد هذا الجبل المجاور لنا وكان هو حكيماً وكان قائداً موفقاً فأخذ خمسين من الرماة وقال لهم : تبقون في هذا المكان ـ الجبل الصغير هذا جبل الرماة مشهور باسمة إلى الآن ـ لحماية ظهور المسلمين ثم بقية الجيش يقابلون الأعداء ثم أعطاهم أمراً قاطعاً أنهم لا يتحركوا من هذا المكان مهما كان الأمر سواء انتصر المسلمون أو لم ينتصروا يبقون في هذا المكان ففي أول جولة الكفر وأهل الكفر دائماً الذل موجود عندهم فانهزموا في بداية المشوار الأول انهزموا وولوا الأدبار فقال بعض الرماة : ( الغنيمة ). فقال لهم أميرهم : إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نبقى في هذا المكان سواء انتصر المسلمون أو لم ينتصروا نبقى في هذا المكان ، بعضهم اجتهدوا وقالوا : الغرض والهدف هو أن يندحر الكفار فقد اندحروا إذا الغنيمة فنزلوا ، عند ذلك وقد كان خالد مازال على كفره وهو قائد الخيل لما رأى أن الرماة نزلوا وهم يعرفون كيف الحرب لما رآهم نزلوا جاءوا للمسلمين من الخلف فقتلوا من قابلهم ثم حدث ما حدث وقتل من قتل ، قتل حمزة وعدد كبير من الصحابة وشج الرسول عليه الصلاة والسلام .
الشاهد من هذا أن المسلمين استنكروا . وقالوا : كيف يكون ذلك ونحن على الحق وهم على الباطل ، يعني كيف نحن على الحق ، على الدين الصحيح نعبد الله وحدة ونجاهد في سبيله وهؤلاء يجاهدون في سبيل الشيطان ثم ينتصرون علينا ، نسمع لهذا الدرس للمسلمين لأن العبرة بعموم اللفظ ولا بخصوص السبب كما يقول العلماء قال الله عز وجل :  أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها  مثليها يعني يوم بدر قتلوا سبعين وأسروا سبعين وهو الآن قتل من الصحابة ما لا يقل عن السبعين في هذه المعركة ولما استنكروا قال الله عز وجل :  أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّا هذا يعني كيف يكون هذا قال الله عز وجل لنبيه : (قل هو من عند أنفسكم) ما هوا الذي من عند أنفسهم ؟ خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الرسول بين أظهرهم وهم الصحابة فالله عز وجل بين لهم أن المخالفة هذه نتيجتها ، ثم بعد ذلك انتصر المسلمون على الكفار فيما بعد حتى في نفس الغزوة هذه انتصروا عليهم لأنهم لما خرجوا وصلوا إلى الحمراء وقالوا لماذا لا نرجع نستأصل البقية ، الله عز وجل سخر من يقابلهم وهو ليس على الإسلام ولكن كان من حلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام من خزاعة فلما سألوه عن محمد ومن معه أخبرهم بأنهم عندهم الجيش الكبير والذين تخلفوا كلهم جاءوا ويبحثون عنكم ، الله عز وجل أنزل في قلوبهم الرعب فواصلوا لأنهم حينما حدث ما حدث وتفرق المسلمون في الجبل فكانوا يبحثون فكان أبو سفيان على كفره أيضاً نادى أفيكم أبو بكر ؟ الرسول قال : لا تجيبوه . ثم نادى أفيكم رسول الله كذلك ما أحد أجابه ثم نادى أفيكم عمر ، عمر ما رضي يصبر فقال له نعم كل من ذكرتهم ما زالوا على قيد الحياة وقد أبقى الله لك ما يحدث لك أو ما يسيئك عند ذلك قال : أعلوا هبل ـ هبل يعني الصنم الذي يعبدونه ـ فقال الرسول : أجيبوه . قالوا : ماذا نقول . قال : قولوا الله أعلى وأجل . أجابوه بذلك . قال : لنا العزى ولا عزى لكم ـ وتعرفون العزى أنها شجرة سمرة بين مكة والطائف يعبدونها من دون الله عز و جل فقال : أجيبوه . فقالوا : ماذا نقول . قال : قولوا الله مولانا ولا مولا لكم . فالعزة كلها لله ولرسوله وللمؤمنين هنا المنافقون يبتغون العزة عند الكفار فالله بين على أن هذه العزة لا تكون إلا لله ولرسوله فإذا حدث بالمسلمين من الكفار شيء فما هو إلا فترة من الفترات ثم يزول ذلك ولهذا لما سأل هرقل أبى سفيان عن الحرب بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنه دول . يعني يدالون عينا وندال عليهم يعني مرة لنا ومرة لهم فعند ذلك عرف قال : هو نبي وهكذا يكون الأمر أنها عشرة أسئلة وجهها لأبي سفيان ثم ـ والحديث في صحيح البخاري ـ ( لما أجابه عليها عرف أن محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله .
إذاً قوله في هذه الآية (وبشر المنافقين بأن لهم عذاب أليما) وآيات تبين كيف يكون عذاب المنافقين مع أنه سيأتي هنا أنه جمعهم جميعاً ، المنافقون بين الله عز وجل أنهم في الدرك الأسفل من النار لأن النار دركات كما أن الجنة درجات ، درجات عالية ودركات منخفضة فأخبر أنه في الدرك الأسفل من النار ، طيب .. هم كفار . لماذا لا يلقونهم مع الكفار في النار العادية مثلهم ؟ لا ، لأن ضررهم على المسلمين أشد ، هم بين المسلمين ويدّعون الإسلام ثم يخونون المسلمين ويكشفون عوراتهم ويبينون لأعدائهم ما لم يعلموه والله عز وجل أعطاهم هذا الجزاء .
المنافقون ونقصد به النفاق كما سمعنا ألاعتقادي أي الذي يظهر الإسلام بلسانه ويبطن الكفر بقلبه  وبشر المنافقين بأن لهم عذاب أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين  هذا الحكم عام إلى قيام الساعة ، أي جماعة يأخذون الكفار أولياء هذا حكمهم لكن ما معنى الولاية ؟ يعني ما هي الموالاة للكفار هل معناها على أن المسلمين إذا كانوا يحتاجون إلى أسلحة إلى مدافع وإلى دبابات وإلى طائرات وإلى ما يتقوون به حتى ينصروا الإسلام ويدافعوا عن الإسلام ثم أشتروا من الكفار الذين سبقوهم بهذا الجانب هل معنى هذه موالاة ؟ يعني هل قضية التجارة ـ البيع والشراء ـ الأخذ من الكفار ما يحتاج إليه المسلمون هل هذا يسمى يعني موالاة ؟ هذا لا يسمى موالاة .
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في هذه المدينة وكان فيها اليهود وكان يعاملهم المعاملة الشرعية المعروفة ويأخذ منهم الأسلحة ويرهن عندهم ويبيع ويشري معهم ، فالبيع والشراء وأخذ ما يحتاجه المسلمون من الكفار هذا لا نسميه موالاة وإنما الموالاة هي المحبة والنصرة فإذا كنت تغضب لما يحدث للمشركين للكفار ، إذا كنت تنصرهم بأي وسيلة من الوسائل هذا هو الذي يسمى موالاة أما الأمور الأخرى فهذه لا تسمى موالاة ، الكثير من الشباب يفسرون على رأيهم وعلى مناهجهم التي يتلقونها ممن؟ من الفضائيات ومن أصحاب الإنترنت ولم يجلسوا إلى العلماء حتى يسمعوا منهم ليبينوا لهم الأحداث الموجودة في هذا العالم ، ليس فيه أحد لا يعرف عداء دول الكفر للإسلام بجميع أنواع العداء . الله عز وجل أخبر على أن الكفار أعداء للمسلمين إلى يوم القيامة فكل واحد يعلم ذلك حينما يقال عن العلماء الكبار أصحاب العلم والحكمة على أنهم يوالون الكفار أو يتمالئون معهم أو مع الحكام السلاطين الظلمة ، هذا الكلام الحقيقة ما هو إلا أيعاز من الآخرين ليفصلوا بين الشباب وبين العلماء والذي حدث في بداية الدولة الإسلامية في عهد على بن أبي طالب رضي الله عنه وهم الخلفاء الراشدين وإن كانت البذرة للخوارج حدثت في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم لأن ذو الخويصره ماذا قال للرسول صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين حينما قسم تلك القسمة بين الناس فأخذ بكتفه يجره بثوبه وقال : (( يا محمد أعدل فأنك لم تعدل )) هكذا قال للرسول صلى الله عليه وسلم فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : ويحك ومن يعدل أن لم أعدل هذه الكلمة ردة عن الإسلام ولهذا أستأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كذلك خالد بن الوليد أستأذن في قتله لأنه منافق لأنه مرتد .
ننظر لما يسمى في الشريعة الإسلامية بالقواعد التي هي المصالح والمفاسد وهذه القواعد ثابتة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الرسول قال لعمر : لا ، لا تقتله . ما قال له أنه لا يستحق القتل ، يستحق لأنه مرتد . قال : لا تقتله فأني أخشى أن يكون ذلك صد للناس عن الدخول في الإسلام . هذا الرجل صار يعيش بين المسلمين ومحسوب عليهم والمنافقون المتربصون بالإسلام يعلمون ذلك فإذا قتله وهو يستحق القتل أشاعوا للناس أن من دخل في دين محمد يقتله متى شاء وفي هذا يكون صد للناس أن يدخلوا في دين الله ولذلك منعهم من قتله ، وأشياء كثيرة من هذا النوع كما تعرفون لما جاء الفتح لمكة وقال الرسول عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين باب يدخل الناس منه وباب يخرجون منه ، الكعبة لما بنيت في عهد قريش حين أصابها ما أصابها وقصرت بهم النفقة لم يجعلونها كما تعلمون الآن الحجر نطوف خلفه ولا يجوز الطواف بداخله لأنه من الكعبة فهذه الأسس التي هي أسسها إبراهيم عليه السلام ، قريش كان فخرهم الكعبة يفخرون بها فلما بنو هذا البناء جعلوا الباب كما تشاهدون بهذه الصورة إذا وقفت عنده لا بد أن تمد يدك حتى تنال العتبة ، عملوا هذا من أجل أن يأذنوا أو يسمحوا لمن شاءوا ويمنعون من شاءوا فإذا جاء إنسان وأراد أن يدخل الكعبة يمكن واحد يكفي من جاء دفعوه وقد سقط ، الرسول قال : لولا أنهم حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة واعدتها على قواعد إبراهيم وأجعل لها باب للدخول وباب للخروج حتى الناس يدخلون ويخرجون ولا أحد يمنعهم ولكن ما الذي منعهم من ذلك ؟ منعهم من ذلك لأن قريش بكفرها تعتز بالكعبة فكأنه يقول : أنا لو عملت ذلك لقالوا : الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأتي بدين وإنما جاء ليأخذ الشرف يبني الكعبة باسمه ويعمل بها ما شاء . فقال هذا القول ـ والحديث في صحيح البخاري : لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين والله عز وجل يبين في كتابة أنه لا يجوز للمسلمين أن يجعلوا للكافرين عليهم سبيلا ، كلما حدث ونشاهده الآن هو بسبب الأخطاء التي ارتكبها هؤلاء الذين عندهم الحماس لنصرة الإسلام ، والإسلام يجب على كل مسلم أن ينصره بما يستطيع لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علمه ربه ولهذا سبق لنا في درس السيرة أن الأنصار لما جاءوا وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة البيعة الثانية ومنهم سبعين قالوا : إذا أردت أن نميل على قريش الآن ملنا عليهم بسيوفنا فقال لهم : لا لأن الله عز وجل لم يأمر بذلك لو عملوا هذا سيستأصلون الكفار سيستأصلونهم تماماً ولكن حكمة الله عز وجل أنه يكون ذلك بالتدرج إذا الآيات الواردة في كتاب الله والقواعد المتفق عليها على أن هناك مصالح ومفاسد ولا بد من مراعاتها .
الذين كانوا مع علي بن أبي طالب ، الخوارج ، الرسول عليه الصلاة والسلام حينما أرادوا قتل ذي الخويصره كما سمعنا قال : دعوه فأنه سيخرج من ضئضيء هذا جماعة تحقرون قراءتكم إلى قراءتهم وصلاتكم مع صلاتهم ويجب على طلاب العلم أن يفهموا كلمه من ضئضيء هذا ليس معناها من صلبه وإنما معناها من جنسه ، يعني من جنس هذا لأن الخوارج خرجوا في عهد علي بن أبي طالب قبل ما تأتي زرية هذا الشخص ولهذا بين النووي رحمه الله في شرح مسلم أن المقصود بالضئضيء هنا يعني من جنسه وعلى منهجه ، هؤلاء خرجوا على علي بن أبي طالب وقبله عثمان بن عفان وهم الذين قتلوه ـ الذين كانوا مع علي بن أبي طالب هم الذين قتلوا عثمان ـ ويدل على هذا ما قاله الشهرستاني في (( الملل والنحل )) أنه حينما كان الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وجهز الجيش علي وكان القائد الأشتر وكانوا أرادوا أن يستمروا في المعركة مع أهل الشام وهذا كان رأي علي رضي الله عنه لكن هؤلاء اعترضوا على علي لأن أولئك رفعوا المصاحف ويقولون : بيننا وبينكم كتاب الله قالوا لعلي وهذا الذي نريد أن تستشهد به قالوا : إن لم تعد الأشتر إلا صنعنا بك ما صنعنا بعثمان . هذا اعتراف منهم أنهم هم الذين قتلوا عثمان قالوا : إن لم تعد القائد هذا وإلا صنعنا بك ما صنعنا بعثمان ثم بعد ذلك رجعوا لعلي بن أبي طالب بعدما جاء التحكيم ولم يحدث في التحكيم شيء بل تفرقوا على لا شيء وينبغي أن نفهم أن ما قيل عن التحكيم عن أبي موسى الأشعري وعن عمر بن العاص أن هذا خدع وهذا مغفل هذا كله من كلام الرافضة ، الصحابة ليس فيهم خدّاع وليس فيهم منافق وليس فيهم مغفل بل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفضل الأمم التي الله عز وجل خلقها وأوجدها في هذا الكون لأن أختار لنبيه أولئك النفر الذين صاحبوه ونصروا هذا الدين ونشروه فلما اجتمعوا في الجندل ورجع هؤلاء إلى علي بن أبي طالب وقالوا إما أن تعترف بأنه كفر لأنه رضي بالتحكيم في كتاب الله عز وجل ويقولون لا حكم إلا لله هكذا في المسجد قالوا هذا الكلام فقال علي بن أبي طالب : كلمة حق أريد بها باطل ( لا حكم إلا لله ). وهؤلاء الرجال يحكمون بما في كتاب الله ثم لما انحازوا وأخبروا وأشاعوا أن علي بن أبي طالب يعني كفر كما يقولون و أنه رجع عن كفره خطب علي بن أبي طالب وبين أن هذا الكلام كذب لأنه كيف يدعون عليه هذه الدعوة فلما كذبهم انحازوا وكان عددهم ثمانية آلاف أو ستة آلاف وبعث لهم عبدالله بن عباس يناظرهم ، وأخبر من أوصافهم قال : أنه لما دخل المسجد الذين هم فيه لهم دوي كدوي النحل ، حفظ للقرآن كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام ثم جباههم وركبهم مثل مشارف الإبل من العبادة ، عندهم عبادة حفظ للقرآن كما قال الرسول : تحقرون قراءتكم مع قراءتهم وصلاتكم مع صلاتهم ولكن يعبدون الله على جهل فلما ناظرهم عبدالله بن عباس وقال : ماذا تنقمون على أمير المؤمنين ؟ قالوا : ما هو أمير المؤمنين لأنه تنازل . يعني في قضية الصلح هذا تنازل طيب ما هو الذي حدث منه ماذا تريدون ؟ قالوا : حكم الرجال في كتاب الله فقال لهم : أنتم تقرؤون القرآن وتحفظونه ، الله عز وجل أمر بحكمين بين رجل وامرأة حينما يختلف الزوج مع زوجته الله عز وجل قال :  فابعثوا حكم من أهله وحكم من أهلها أن يريدا الإصلاح أن يوفق الله بينهما  إذا الحكم هنا بين رجل وامرأة في كتاب الله عز وجل فكيف لا يكون الصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين ثم ذكر لهم القصة الأخرى وهي قضية الأرنب ، أن المحرم إذا قتل أرنب وهو محرم ماذا يكون لا بد من حكم يحكم بما يستحق هذا الرجل الذي ارتكب تلك المخالفة فرجع الكثير منهم ولم يبقى إلا القليل واستمروا على رأيهم ثم حدث ما حدث في القتال لأنهم قال لهم علي : لكم أن تبقون على ما أنتم عليه ولن نعترض لكم ولكن لا تفسدوا في الأرض ولكنهم بدءوا في الإفساد ، خباب أبن الارت الذي هو عامل لعلي بن أبي طالب كان هو وزوجته وهي مملوكه وكانت حامل ذاهب لولايته فاعترضوه وقتلوه وشقوا بطن امرأته وقتلوا ذلك الطفل الذي في بطنها فلما أفسدوا في الأرض وقطعوا الطريق ، علي بن أبي طالب حمل عليهم فقتلوا جميعا ولم يبقى إلا تسعة تفرقوا بشرهم في الدنيا والرسول عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنه حينما تكون هذه الفُرقة أنه سيقتل أحدى الطائفتين أو أولى الطائفتين بالحق هو الذي يقتلهم وأن في الذين يقتلون أوصاف أن منها رجل منهم معه كثدي المرأة فلما قتلوا صار بعضهم على بعض فقال علي أبحثوا جيبوا لي وصف هذا الذي ذكره رسول الله عليه الصلاة والسلام فبحثوا أولا لم يجدوه قال : لا ، ما كذبت يعني ما كذبتكم ولا كذب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبحثوا فبحثوا فوجدوه فحمد الله على ذلك . الشاهد أن هؤلاء أي الخوارج بدل ما يجلسون عند الصحابة الذين حضروا التنزيل وسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدل ذلك حكموا عليه بالكفر كفّروا بجهلهم وقال عبدالله بن عمر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري في كتاب ( استتابه المرتدين ) قال : كان يراهم شرار الخلق وأنهم عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فأنزلوها على المسلمين .
آيات نزلت في الكفار فحملوها على المسلمين يعني على العصاة ، أيش السبب في ذلك ؟ السبب لأنهم لم يفقهوها ، ويتفقهوا على من ؟ على الصحابة ، إذا كفّروا وحكموا بكفر عثمان . قتلوه وحكموا بكفره وعدد من الصحابة وقتل علي بن أبي طالب في آخر الأمر ، قتله عبد الرحمن بن ملجم ، عبد الرحمن بن ملجم تعرفون من هو ! أحد القرّاء وهو من التابعين ليس من الصحابة ولمّا جاء في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب له كتاب إلى عمر بن العاص في مصر ليبني له دار من أجل تحفيظ الناس القرآن وقال : آثرتكم أو آثرتك به على نفسي . رجل حافظ القرآن حفظ ما مثله ثم بعد ذلك ضل مع حفظه للقرآن وجاء يتقرب بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الله حسب زعمه ، فالشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن هذه الفرقة وروى علي بن أبي طالب حديثاً في صحيح البخاري أنه سيظهر في آخر الزمان يعني ناس سفهاء أحلام صغار يقولون من كلام خير البرية ثم بين على أنهم لا يفقهون شيء بل حفظهم للنصوص والقرآن لا يجاوز حناجرهم أي أنهم ليس عندهم فقه في دين الله ، السبب أنهم ابتعدوا عن الصحابة الذين يفقّهونهم في دين الله وكلام عبدالله بن عمر بينه حديث يزيد الفقير في صحيح مسلم في باب الشفاعة لأنه قال : شغفني رأي من رأي الخوارج ـ في الكوفة في العراق ـ شغفني رأي من رأي الخوارج فعزمنا أنا وعصابة معي ـ يعني مجموعة _ للحج أن نحج ونخرج على الحجاج بعد الحج لأن الحجاج كفار . مثلما يصدر لآن على أن البشرية كلها كفرت عند هؤلاء الشباب .
هذا ـ أي يزيد الفقير ـ هو وجماعته جاءوا للحج ولكنهم في طريقهم قالوا لو مررنا المدينة ، وهؤلاء يبحثون عن الحق بس لبس عليهم يتلك الآيات التي نزلت في الكفار ونزلوها على المسلمين فمروا المدينة هنا ودخلوا هذا المسجد ووجدوا جابر بن عبدالله رضي الله عنه يدرس الناس متكأ على سارية من سواري المسجد فجاءوا وجلسوا لأنهم طلاب علم يبحثون فجلسوا فإذا هو يتحدث قال : فذكر الجهميين ـ يعني ذكر في حديثة أن جماعة يدخلون النار ثم يخرجون منها وهم عندهم من دخل النار لا يخرج ، فقام يتكلم معه بكلام الخوارج وأسلوبهم ، قال : يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تقولون والله يقول :  إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ويقول :  كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها  هم لآن يستدلون بنصوص القرآن لأنهم يحفظون القرآن ولكن لا يفقهون منه شيء ، نسمع لرد جابر بن عبدالله عليه هل رد عليه بمثل هذا الأسلوب الذي قاله وإلا رد عليه بأسلوب الحكيم الذي يريد أن ينقذ الناس من ما هم فيه ، قال له : أتقرأ القرآن ؟ قال : نعم . قال : هل سمعت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم الذي يبعثه الله فيه ؟ قال : نعم . ويقصد بالمقام كما قال الله تعالى في كتابه :  ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقام محمودا  هذا المقام يوم القيامة الشفاعة العظمى التي خص بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، كل الناس يحمدونه على ذلك لأنهم بعد ما يذهبوا إلى الأنبياء إلى آدم وإلى نوح وإلى إبراهيم كلهم يعتذرون عن هذه الشفاعة إلا إذا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي قام وشفع في ذلك ، قال : فأنشأ يحدث بعدما قال أنه يعرف هذا المقام ـ مقام الرسول عليه الصلاة والسلام المحمود ـ قال أنشأ يحدث حتى أنه ذكر أن جماعة يدخلون النار ثم يخرجون منها بعد أن صاروا مثل عيدان السماسم يعني احترقوا ثم يدخلون في نهر من أنهار الجنة يغتسلون فيه فيخرجون مثل القراطيس ، نسمع ليزيد ومن معه في هذا الحديث الذي هو بين المغرب والعشاء لما رجعوا إلى منزلهم قال بعضهم لبعض : أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فرجعنا عن رأينا كلنا ولم يخرج إلا رجل واحد . هؤلاء الذين تصدروا الفتوى من الفضائيات يعلمون على أنهم لن يصلوا إلى مقصدهم بدفع الشباب إلى ما يريدون إلا إذا فصلوا بينهم وبين العلماء ـ العلماء الذين وصفهم بن عباس بالربانيين الحكماء العلماء الحلماء ـ هكذا وصفهم بهذا الوصف وانطبق وصفه على جابر بن عبدالله ، كان حليماً وفيقاً مع ذلك الرجل يخاطبه بذلك الأسلوب الحاد وهو يرد عليه بهذا الأسلوب اللين .
إذاً لما فصلوا بينهم وبين العلماء تمكنوا من قلوبهم فلم يستطيعوا أن يخرجوا عما رسموه لهم بل كلهم يدورون في فلكهم ولا يسمعون إلا ما قالوا ولا يصلون إلى العلماء لأنهم كما يقولون العلماء سلاطين إلى آخر الأوصاف التي يذكرونهم بها ، نعود لدرسنا وكأنا بعدنا شويه عن الموضوع .
 أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا  إذاً الذين يمالئون الكفار ويوالونهم وينصرونهم ويحبونهم هؤلاء هم المخالفون لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأن العزة هي لله وليست لأعداء الله وأن الذي يحدث ما هو إلا دول كما جاء في الأحاديث بأنه قد يحدث بين الكفار والمسلمين شيء فينتصرون في لحظة من اللحظات لسبب من الأسباب من المسلمين وإذا رجع المسلمون إلى دينهم وإلى سنة نبيهم وإلى ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لأن الرجوع إلى مذهب السلف وإلى نصوص الكتاب والسنة على فهم السلف لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي )) . جمع بين الكتاب وبين السنة لأن السنة هي المفسرة والموضحة والمبينة للقرآن أما الذي يكتفي بالقرآن فيكون مثل الخوارج القرآن ليس فيه صلاة الظهر أربع ولا العصر أربع ولا المغرب ثلاث ولا العشاء أربع ولا الفجر ركعتين هذا لا تجده في القرآن يعني إذا قرأت القرآن كله ما تجد هذا التفصيل لكن هذا التفصيل جاء ليلة الإسراء والمعراج وحينما نزل جبريل وجاء وصلى برسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصلوات على ما نصليها الآن وقال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه صلوا كما رأيتموني أصلي وكذلك الزكاة وغيرها من جميع الأحكام مفصلة ومبينه في القرآن ولهذا كما تعلمون طائفة يسمون القرآنيون هؤلاء ضلوا لأنهم لا يتمسكون بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ويقولون نكتفي بالقرآن الذي يكتفي بالقرآن ما يعرف يصلي لا يمكن ولا يدري كم يزكي ومما يزكي ومن يعطيه الزكاة وإنما السنة هي الموضحة والمبينة ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام : (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا )) وقال : كتاب الله وسنتي . لابد من الكتاب والسنة ، هي التي تعصم من الضلال .
قال الله عز وجل في كتابه بعد هذه الآية  قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم  وقوله :  قد نزل عليكم في الكتاب  يقصد الآيات الواردة في سورة الأنعام الآية 68 ، 69 هذا الذي نزل أولاً لأن تلك السورة مكيه وهذه السورة وهي النساء مدنية فالله عز وجل يقول:  قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم  آيات أنزلها الله لتعظيمها والعمل بها والإيمان بها أما إذا حدث بها فهذا كفر  قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد أيمانكم  الاستهزاء بآيات الله أي من القرآن أو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بمن يعمل بهما هذا كله كفر فالله عز وجل أخبر في هذه الآية أنه  قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم  يعني أنه إذا كان هناك مجلس من المجالس فيه نوع من الاستهزاء بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وبالعلماء الذين هم يعلّمون الناس ويرشدونهم ويدلونهم على كتاب الله وسنة رسوله ومنهج سلفهم الصالح إذا حدث في هذا المجلس من هذا النوع فلا يجوز لك أن تجلس في هذا المجلس وهناك الآية  حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم  يعني إذا رضيتم أي كل واحد منكم يجلس في مجلس من المجالس فيه الاستهزاء بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ارتكاب المعاصي إذا لم يستطع أن يعظهم ويرشدهم ويدلهم ويغير من هذا المنكر فلا يجوز له أن يجلس معهم لأنه أصبح راضياً بهذا العمل والراضي بالكفر أو الراضي بالمعاصي يكون مثل أصحابها  إنكم إذاً مثلهم  ثم أخبر الله عز وجل بهذا الجزاء للجميع فقال ـ إن السياق الآن مع المنافقين ـ فقال :  إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا  وهذا جزائهم ، المنافقون عرفنا أنهم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، الكفار هم كفار بصريح قولهم وبأعمالهم  إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا  ثم وصفهم  الذين يتربصون بكم  يعني يتربصون بالمؤمنين ، متى تكون الدائلة عليهم يتربصون بهم ويدلون عليهم عوراتهم ويخبرون أعدائهم بما عندهم من الأماكن من الضعف الذي يمكن أن يدخلوا عليهم منه  الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح  لأن الآن المنافق يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإذا وجد للمسلمين انتصار وفتح لأن الفتح لا يكون إلا للمسلمين لأنه يكون فتح ويكون استمراراً وأما الكفار ما يكون لهم إلا نصيب مرة واحده أو مرتين ثم يذهب ذلك النصيب  فإن كان لكم فتح من الله  يعني على أعدائكم على الكفار  قالوا ألم نكن معكم  نحن معكم . كانوا في الظاهر معهم فيظهرون أنفسهم أنهم مع المؤمنين ويريدون أن يشركوا المؤمنين في الغنائم وكل ما يتحصل عليه المسلمون  ألم نكن معكم  ثم قال  وإن كان للكافرين نصيب  شوف الفرق بين الفتح والنصيب ، الفتح معناه حينما يفتح الله عز وجل للمسلمين ويستمر ذلك الفتح ويستمر النصر معهم وأما الكفار فيكون لهم نصيب أي مرة واحدة أو مرتين يحدث بحيث أن المسلمين يقصرون فيما أمرهم الله عز وجل به يخالفون أمر الله ويرتكبون نهيه فيحدث هذا  وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين  يقولون نحن معكم ثم يقولون نمنعكم من المؤمنين يعني نبين لكم ما عند المؤمنين ، أي أنهم يلعبون على الأمرين على الحبلين إن كان النصر والفتح للمسلمين قالوا : نحن معكم ، وإن كانت الدائلة كذلك للكفار معهم نصيب  قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة  الله هو الحاكم هو المطلع على ما في قلوب العباد وهو الذي يحكم بينهم يوم القيامة ثم قال :  ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا  ينبغي أن لا يجعل هؤلاء الشباب الذين عندهم الحماس لأن الإسلام كل واحد يحبه الرجال والنساء والعجائز والأطفال كل واحد يحب الإسلام لكن المحبة ما تكفي لابد من العلم .
حينما حدث ما حدث من المسلمين وسمعهم كثير من الشباب قالوا : أنظروا ماذا فعل المسلمون بالكفار ، والعقال الذين يعرفون ما يحدث والمجربون قالوا : أن هذا الذي حدث ستكون له آثار ، الذي حدث أنهم عملوا في ذلك القصر وفي ذلك البرج وحطموه ، فيه ثلاثة آلاف . اليهود ما حضروا لأنهم يعرفون الخطة ماذا ترتب على هذا من الكفار للمسلمين ألم تُزل دول بعينها ، ماذا في أفغانستان هذا الذي يقول الشخص الذي يسأل ، ماذا حدث لأفغانستان الآن وماذا يحدث فيها الآن وماذا حدث للعراق وماذا يحدث فيها الآن ، أخذوا ذريعة وقالوا : الإسلام دين إرهاب والرسول إرهابي واستهزؤوا به كما تعلمون بالدنمرك وغيرها وحملوا هذه الحملة لأنهم يخططون متى يحصلون السبيل على المسلمين لأنهم أعداء المسلمين لكن ما استطاعوا أن يعملوا شيء هكذا بدون سبب فلما صار ما صار قالوا : إذا هم الآن غزونا في ديارنا إذا لابد من استئصالهم ولازالوا يواصلون وإلى لآن وما يسمونه القاعدة ، كلام لا قيمة له لوا أراد أمريكا ومن معه للقاعدة ألن يستطيعوا أن يحرقوا الجبال كلها ويحرقوا من في القاعدة ؟ هم يستطيعون هذا لكنهم لو عملوا هذا سيقال لهم : خلاص انتهيتم القاعدة ومن فيها انتهت وهم لا يريدون هذا ، يريدون القضية تستمر لأنهم يريدون السبيل على المسلمين ، فهذا السبيل صار للكفار على المسلمين بهذه الأسباب إذا لابد أن يكون هناك عقلاء يفهمون ماذا يترتب على مثل هذه الأمور ، كل عاقل لآن الذي يفكر بعقله ماهُ بعاطفته يعلم ماذا صار للمسلمين من ذلك التاريخ إلى الآن كم من أمة قد قتلت من رجال ونساء وشيبان كم ديار هدمت بل كما قلنا دول الآن أزيلت ومازالوا يواصلون لأنهم يدعون على الإسلام الذي هو دين الرحمة ودين العدل والرسول عليه الصلاة والسلام قال الله عز وجل في بعثته :  وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  هو رحمة للعالمين جميعا ماهُ للعرب رحمة للعالمين جميعا ولكن الذين يخططون للإسلام ودين الإسلام أخذوا هذه الذرائع على المسلمين ويحدث ما يحدث وما يزال يستمر ونسأل الله عز وجل لشبابنا الهداية وأن يعيدهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم لينفعوا أنفسهم أولاً والمسلمين ثانياً ويرفعوا عن المسلمين ما يحدث لهم من أعدائهم .
فعلى كل حال نحن لا نملك إلا الدعاء وأنتم أمنوا على الدعاء نطلب من الله عز وجل أب يبصر هؤلاء في دينهم وأن يردهم رداً جميلا وأن يدفع عنهم ما يحدث من أعدائهم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أقوال أهل العلم في مكانة السنة في تشريع الإسلام وردّ على القرآنيين

•June 21, 2009 • 1 Comment
قال الشيخ بن باز رحمه الله في مقال له بعنوان السنة و مكانتها في الاسلام و أصول التشريع

أما هؤلاء المتأخرون فجاءوا بداهية كبرى ومنكر عظيم وبلاء كبير ، ومصيبة عظمى حيث قالوا : إن السنة برمتها لا يحتج بها بالكلية لا من هنا ولا من هنا ، وطعنوا فيها وفي رواتها وفي كتبها ، وساروا على هذا النهج الوخيم وأعلنه كثيرا العقيد القذافي الرئيس الليبي المعروف فضل وأضل ، وهكذا جماعة في مصر ، وغير مصر قالوا هذه المقالة فضلوا وأضلوا وسموا أنفسهم بالقرآنيين ، وقد كذبوا وجهلوا ما قام به علماء السنة لأنهم لو عملوا بالقرآن لعظموا السنة وأخذوا بها ، ولكنهم جهلوا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فضلوا وأضلوا .
وقد احتاط أهل السنة كثيرا للسنة حيث تلقوها أولا عن الصحابة حفظا ودرسوها ، وحفظوها حفظا كاملا ، وحفظا دقيقا حرفيا ، ونقلوها إلى من بعدهم ، ثم ألف العلماء على رأس القرن الأول وفي أثناء القرن الثاني ثم كثر ذلك في القرن الثالث ، ألفوا الكتب ، وجمعوا فيها الأحاديث حرصا على بقائها وحفظها وصيانتها فانتقلت من الصدور إلى الكتب المحفوظة المتداولة المتناقلة التي لا ريب فيها ولا شك ، ثم نقبوا عن الرجال ، وعرفوا ثقاتهم من كذابيهم وضعفائهم ، ومن هو سيئ الحفظ منهم حتى حرروا ذلك أتم تحرير ، وبينوا من يصلح للرواية ، ومن لا يصلح للرواية ، ومن يحتج به ومن لا يحتج به ، وأوضحوا ما وقع من بعض الناس من أوهام وأغلاط ، وسجلوها عليهم ، وعرفوا الكذابين والوضاعين ، وألفوا فيهم وأوضحوا أسماءهم ، فأيد الله بهم السنة ، وأقام بهم الحجة ، وقطع بهم المعذرة ، وزال تلبيس الملبسين ، وانكشف ضلال الضالين ، فبقيت السنة بحمد الله جلية واضحة لا شبهة فيها ، ولا غبار عليها ، وكان الأئمة يعظمون ذلك كثيرا ، وإذا رأوا من أحد أي تساهل بالسنة أو إعراض أنكروا عليه

قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله

فضيلة الشيخ يقول السائل يوجد جماعة يسمون أنفسهم القرآنيون يقولون نحن لا نعمل الا بما في بالقرآن فهل نحكم بكفرهم؟
نعم نعم لا شك في كفرهم لأنهم كاذبون في أنهم يقولون نحن لا نعمل الا بالقرآن، القرآن أمرنا باتباع الرسول صلى الله عليه و سلم و من اتباع الرسول العمل بسنته، الله عز و جل يقول {فاتبعوه} {و أطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} { وان تطيعوه تهتدوا} {وما على الرسول الا البلاغ المبين}{ أطيعوا الله و أطيعوا الرسول} و يقول سبحانه{ و ما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوه} و القرآن فيه أشياء مجملة لا يفسرها الا الرسول صلى الله عليه و سلم في سنته
الصلاة ، الصلاة، الله عز و جل ذكر الصلاة في القرآن و حث عليها لكن هل بين لنا عدد الركعات؟، ركعات الظهر ركعات العصر ركعات المغرب و هؤلاء أشار اليهم النبي صلى الله عليه و سلم الذي لا ينطق عن الهوى أشار الى هؤلاء بقوله : يوشك رجل شبعان متكأ على أريكته يقول بيننا و بينكم كتاب الله نحل حلاله و نحرم حرامه ثم قال صلى الله عليه و سلم ألا و اني أوتيت القرآن و مثله معه
النبي عليه الصلاة السلام أخبرنا عن هؤلاء و حذرنا منهم
.

قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في كتابه حجية خبر الآحاد في العقائد و الأحكام

نعود هنا إلى فتنة أحمد خان وما ترتب عليها ونشأ عنها.
قال العلامة المجاهد المحدث الشيخ ثناء الله الأمرتسرى رحمه الله([64]):
” ما أشأم ذلك اليوم الذي خرج فيه صوت عليكرة المخالف لجميع الأمة الإسلامية الداعي إلى اعتماد القرآن وحده في الدين، وأن السنة لا تكون دليلاً شرعياً، فأثر هذا الصوت على الحافظ محب الحق عظيــم أبادي في بتنه (بالهند)، كما أثر على عبد الله جكرالوي في لاهور تأثيراً عظيماً”، يعني بالرجلين المذكورين مؤسسي دعوة القرآنيين.
والجكرالوي هذا قد ترجم له الشريف عبد الحي بن فخر الدين الحسني في كتابه “نزهة الخواطر”([65]).
ومن ترجمته قوله: “الذي دعا الناس إلى مذهب جديد سماهم أَهلَ الذكر دعاهم إلى القرآن وأنكر الأحاديث قاطبة، وصنف الرسائل في ذلك، وقال إن الناس افتروا على النبي r، ورووا عنه الأحاديث وما كان ينبغي له أن يقول ويفعل شيئاً ليس له ذكر في القرآن.
وأما ما ورد في القرآن ] وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ (النساء:59)، والمراد به القرآن فليس القرآن والرسول شيئين متغايرين يجب اتباع كل واحد منهما على حدة.
فالمراد بالرسول في قوله تعالى: ] قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ [ (النساء:170).
وقوله تعالى: ] أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [(النساء: 59 ).
وقوله: ] وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ ( النور: 48 ).
وقوله: ] مَا حرّمَ اللهُ وَرَسُولُه [ ( التوبة:29 ).
وقوله: ] إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ (آل عمران:31).
وغيرها من الآيات الكريمة القرآن”([66]).
وهـذه زندقـة واضحـة تجاوزت زندقة الباطنية، وإسقاط للرسول الكريم r.
وللقرآنيين زعماء آخرون، مثل: الخواجة أحمد الدين، والحافظ محمد أسلم، وغلام أحمد برويز، ولهم تلاعب بدين الله وشعائره لا يتسع المقام لذكره، وقد تولى نقاشهم علماء الهند وباكستان، وبينوا كفرهم وزندقتهم، وأنهم ليسوا من هذه الأمة المحمدية.
وفتنتهم امتداد لفتنة أحمد خان وللحركات الباطنية، كما أن لها تعلق بتأويلات وآراء الجهمية والمعتزلة والروافض والفرق التي تابعتها في هذه الآراء والتأويلات، مما يحتم على المسلمين رفض هذه الآراء والتأويلات التي تفتح الباب للزنادقة لهدم الإسلام وتقويض مقوماته وأركانه والتلاعب بشعائره، والعودة إلى الإسلام الفطري الخالص من الشوائب والبعيد كل البعد عن هذه الآراء المنحرفة والتأويلات الباطلة.
أقول: يجب رفض هذه التأويلات والآراء المنحرفة؛ لأنني رأيت لهذه الفرقة الملحدة شبهاً من بينها شبه موروثة عن المعتزلة والخوارج والروافض، كالقول بأن أخبار الآحاد تفيد الظن، وأنها تحتمل الصدق والكذب.
قال أحد زعمائهم وهو الحافظ محمد أسلم:
” لا تتجاوز السنة مرحلة أخبار الآحاد طبقاً للأصول التي أقرها المحدثون، ولا تبلغ رواية من رواياتها إلى التواتر المفيد للعلم واليقين”([67]).
ويقول: “كما أن تمحيصها بعلم الجرح والتعديل قياسي مبناه التخمين والظن.. فليست السنة ظنية وحدها بل معيار فحصها ظني أيضاً”([68]).
ألا يكفي هذا زاجراً لمن عنده احترام لسنة رسول الله r وغيرة عليها عن التعلق بهذا الأصل الفاسد، وألا يكفيه دافعاً لمحاربته ورفضه، ثم السير على منهاج السلف وفي ركاب أهل السنة والحديث الذين رفضوه وحاربوه من فجر التاريخ.


 
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.